أخر المقالات
تحميل...
ضع بريدك هنا وأحصل على أخر التحديثات!

عـــالــمـك الــخـاص بـــك!.

آخر المقالات

المقالات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 13 يناير 2015

نترجاك مولانا (زجل)

توفيق بوزيان
كلشي يفوت
اشتد الحال عليك يابلادي
زرعوا فتنة وفرقو بين الخوت
كلشي فاني
والعاقل يفهم المعاني
الدايم الله
ناس مشات مع الهتوف
مايدوم حال
هاذ الدنيا سحابة
الرجوع لله
لبلاد ولات غابة
وقتاش يبان ضوك يابلادي
وتصافى قلوب
لاتنشبك هتوف الوقت
وقتاش نكونو كلمة وحدة بلا زواق
خليو المحبة تسري بين القلوب
لاتزرعوا الشر فينا
شدوا جمالكم علينا
لمن نحكي كلامي
ولاصياحي مشى مع الريح
نترجاك مولانا
داوي الحال
مايدوم حال

توفيق بوزيان

الجمعة، 9 يناير 2015

سَمَر الخميس: ثلاثيات حارس التبغ..

حامد الناظر
"عنوان هذه الرواية -حارس التبغ- مأخوذ من ديوان "دكان التبغ" للشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا حيث تلتبس حياة واحدة بثلاث شخصيات، يقدم بيسوا في هذا الديوان ثلاث حالات تقمص، كل شخصية من هذه الشخصيات المخترعة هي وجه من وجوه بيسوا نفسه، مقدماً لكل واحدة منها اسما خاصاً وعمراً محدداً وهوية مختلفة وقناعات مغايرة، وهو ما سيحدث مع بطل الرواية الذي استلهم أقنعة شخصياته الثلاث التي عاش بها طوال ثمانين عاماً من هذا الديوان لنجد أنفسنا فجأة امام رسم تكعيبي ثلاثي لوجه واحد"..!
ثلاثية الوجود
"حارس التبغ" هي حكاية الموسيقار العراقي كمال مدحت الـ "ثلاثية الأبعاد" في كل أشكالها الثابتة والمتحولة، والذي وجد مقتولاً في خضم فوضى الموت المجاني في العراق عام 2006، ثم ورد خبر موته مقتضباً ودون تفاصيل كثيرة في بعض الصحف العراقية والوكالات وكاد أن يطويه النسيان، حتى نشرت صحيفة "توداي نيوز" الأمريكية خبراً عن أصله اليهودي ومقتطفات من حياته اللاحقة..
ومن هنا بدأت الحكاية الغريبة والمعقدة لتصل من خلال أطرافٍ كثيرة إلى فضول الصحفي والروائي العراقي علي بدر وتتكشف على يديه بعد ذلك خيوط أغرب قصة لأقدم متلازمة ثلاثية في الوجود "الإنسان - الهوية - المكان"..
ثلاثية الهوية
بطل الرواية -كما في الواقع- هو الموسيقار العراقي كمال مدحت الذي مات وهو يحمل هوية مسلم سني، وهو نفسه قبل خمسة وثلاثين عاماً حيدر سلمان المسلم الشيعي، وقبل ذلك بنحو ثلاثين عاماً أخرى هو يوسف سامي صالح من عائلة قوجمان اليهودية التي هُجرت من العراق في أوائل الخمسينيات إلى تل أبيب..
تتشابه حكايته مع حكاية شخصيات ديوان دكان التبغ للشاعر البرتغالي والذي استوحى منه علي بدر اسم الرواية، وقد وجد هذا الديوان في صالون كمال مدحت في بيته بحي المنصور في بغداد وقد كتب شروحاً بقلم الرصاص على هوامش الكتاب..
لكن كيف حدث هذا؟ كيف حدث المزج السلس والهادئ لهذه الهويات الثلاث التي تختزل كل مآسي الحرائق والدماء التي سالت وتسيل في هذا الشرق الأوسط المليء بالجنون؟ هل حاول الرجل أن يؤكد -دون وعي- بإمكانية انصهار هذا الجنون في ذاتٍ مجنونة واحدة ثم لا ينفجر؟ كيف استطاع أن يعيش بهذه الهويات الثلاث في مدينة واحدة وبصفة وحيدة لا غيرها "موسيقِي" لما يقرب من ستين عاماً؟
ثلاثية الخوف
الجمهور هو السبب! هكذا تقول الرواية، وتضيف رسائل كمال مدحت إلى زوجته اليهودية في القدس أن العنف الذي يولده هيجان الغوغاء حين تختفي -في لحظة الثورات العمياء- كل الفروق الكبيرة ويصطف الكل جسماً واحداً تحركه إشارة وتوقفه أخرى، هو النتيجة الكارثية لحقن الأيديولوجيات في أجساد الشعوب دون وعي..
الفتى العشريني البريء يوسف سامي، المحب للموسيقى، المقبل على الحياة بحسن ظنٍ عريض قتل الغوغاء خالته مسعودة وأم محبوبته الأولى أمام ناظريه حرقاً، كما قتل وسحل المئات من يهود العراق في واحدة من هبات الشعوب التي تسمى ثورات وكان ذلك عام 1941، فاستقرت في ذهنه لاحقاً متلازمة ثلاثية مرعبة ما أن يراها تجتمع مع بعضها حتى يعتزل كل شيء ويعتكف بصحبة ألمه النفسي العميق وهي "الأيديولوجيا-الجمهور-الاهتياج"..
"الجماهير خطر، إنها رعب حقيقي، لأنها تمثل انفلات السلوك العقلاني، هذه الجماهير ضد النقد، فكرها غير مفهومي بالمرة، تفكيرها وحركاتها تشتعل بواسطة المصادفة والتحول.. إنها لا تفكر، انها تهتاج وتتحسس، فهي تجمع الأشياء الأكثر تنافراً، وتماهي الكل مع الجزء، كلمة واحدة كافية أن تجعل هذه الجماهير مثل فيل يدخل في منزل من زجاج"..
بعد موت خالته هُجر معظم يهود العراق إلى بلقعٍ موعود كان اسرائيل، هاجر مع زوجته فريدة روبين وابنه مئير لكن روحه لم تنسجم أبداً مع الحياة التي انتظرته هناك، شعر ومنذ اليوم الأول باختناق روحه بسبب خوائها العريض وهيمنة الأشكيناز واستعلائهم على اليهود المشارقة فيها، فهاجر إلى موسكو ومنها -بمساعدة الشيوعيين- إلى إيران بجوازٍ مزور لمسلمٍ شيعي هو حيدر سلمان وهناك تزوج من طاهرة ابنة التاجر الشيعي الداعم لليسار اسماعيل الطبطبائي، فأنجب منها ولده الثاني المسلم الشيعي حسين، دخل بغداد مجدداً عام 1958 بعد انقلاب عبد الكريم قاسم بهذا الاسم الجديد وبصفته القديمة ذاتها "موسيقي"، وعاش ضمن النخبة اليسارية في الفترة التي شهدت مجد اليساريين في كل أرجاء العالم حتى قام صدام حسين بانقلابه على البعث القديم وقامت بعد ذلك بسنة الثورة الإيرانية وسرت حمى الحرب وهيجان الغوغاء من جديد فهُجر من بغداد ضمن من هجروا ورمي وزوجته وولده على الحدود الإيرانية على أنهم من التبعية الإيرانية، ماتت زوجته طاهرة قبل دخول طهران فقرر أن يترك ابنه حسين هناك ليبدأ محاولة جديدة للعودة إلى عشقه الأبدي بغداد وناسها ومسارحها وموسيقاها التي تنبض في دمه..
مرة أخرى تلعب الأقدار لعبة جديدة لصالحه، يتعثر بمن يمد له يد المساعدة، توضع صورته على جواز تاجر مسلمٍ سُني هو كمال مدحت الذي مات في حادث سير في طهران، فطار به إلى دمشق حيث توجد أرملته الثرية نادية العمري والتي تقبلته كزوجٍ مكان زوجها المفقود دون أن تبدي أي أسف، أي اهتمام، مثلما يبدل السائق إطار سيارته ويمضي ليكمل مشواره، وهكذا عاد إلى حي المنصور في بغداد ليرث حياة ثلاثية أخرى كانت تنتظره فاتحة ذراعيها وهي تاريخ كمال مدحت -زوجته- وبيته، أنجب منها ولده الثالث عمر المسلم السني الذي هاجر فيما بعد إلى مصر خلال سنوات الحصار، ومرة ثالثة هيأت له الأقدار من يحمله إلى أعلى سلم المجد والشهرة، إلى بلاط صدام حسين..
ثلاثية الغرس
عاش كمال مدحت في بغداد حياة حافلة بالنجاحات والمتع، حقق خلالها كموسيقى مجده الذي طالما تمناه ولبس من أجله أقنعة كثيرة إلى أن سقطت بغداد تحت وابل القصف الأمريكي، فجاءه أبناؤه الثلاثة دفعة واحدة، ثمرات هوياته المتحولة كلها، جاء ابنه اليهودي مئير ضابطاً في قوات المارينز الأمريكية ضمن قوات الاحتلال، وابنه الشيعي حسين من طهران ضمن النخبة الشيعية الجديدة التي ستحكم البلاد، وكذلك ابنه المسلم السني عمر قادماً من القاهرة ضمن الطليعة السنية المعارضة، فأصبح وجهاً لوجه أمام تاريخه، أمام مرآة تكعيبية رأى فيها نفسه بوجوهٍ ثلاثة..
ثلاثية الحب
لم يجد علي بدر -وهذا استخلاص مني- ما يفسر كل ما أقدم عليه بطل الحكاية وخاض بسببه غمار ذلك الجنون سوى الحب، حب ثلاثي أيضاً، لكنه كان في خياله متصلاً أبداً وغير منفصل، بدءاً من شخصيته الأولى وانتهاءً بالأخيرة وهو الأمر الثابت الوحيد في كل حياته المليئة بالتحولات والتقلبات، الثابت الذي لم تستطع كل هيجانات الثورات التي دمرت كل شيء أن تدمره، وذلك لسببٍ بسيط هو أنه كان مؤمناً به، مطموراً في بقعة بعيدة في نفس ذلك الموسيقي الملهم الذي دُمرت حياته مرات عديدة من الخارج لكنها في داخله كانت شيئاً واحداً، صلباً، ممتلئاً بحب ذي أبعاد ثلاثة "بغداد-الموسيقى- الحياة"..
من خلال سيرة يوسف أو حيدر أو كمال كان واضحاً أنه لم يؤمن بشكل واضح بدينٍ أو فكرة أو أيديولوجيا، أو وطن، بل كان يسخر من كل ذلك، وتشهد على ذلك النزوع الغريب رسائله التي لم تنقطع حتى وفاته إلى زوجته الأولى فريدة روبين في القدس..
"لم تتسم حياتي يوماً بالروح الوطنية الساذجة، بل كنت أكره هذه المشاعر جداً، فهي مصدر العنصرية والكراهية"..
فريدة روبين أصبحت فيما بعد أستاذة للأدب العربي في جامعة القدس بإسرائيل، استفاد علي بدر من الرسائل التي احتفظت بها لزوجها في تتبع خيوط حياته الغريبة ومحطاته المتأرجحة بين الموت والحياة والشك واليقين والمتع واللذة والألم والسخرية..
علي بدر قدم بيوغرافيا رائعة، وهبها كثيراً من خياله الخصب ولغته الجذلى، وأمتعنا بصور تلك الكاميرا غير المرئية التي ثبتها بمهارة في مكانٍ ما في جسد كمال مدحت ثم عندما استخرج جثته من احد مشافي بغداد ليدفنه في مقبرة الكرخ، أخرجها برفق ونزع الفيلم الذي ثبته فيها قبل ثمانين عاما وأهدانا ما فيه لكي نرى ونسمع ونعيش الحكاية تماماً كما حدثت وربما أفضل..
ولا أظن أن الروائي علي بدر كتبها لأنه اختارها بل لأنها اختارته لأسباب ثلاثية أيضاً، تجربته الصحفية الفريدة في العراق - جرأته - وما نستحقه نحن معشر القراء من نصوص بديعة..




 حامد الناظر

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

عَمـّي

رامية نجيمة
ما أجملَ أن تزور بيت أخيكَ المتوفّى حديثاً، وتحشُر في يدِ ابنَته الوحيدة بِضع نقود، أنتَ الذي لم تزره قَطّ إبّان حياتِه.. كنتَ تأنفُ من دخول سَكنِه الصَفيحيِّ في ذلك الحيّ الذي َيسكنُه مِن البشر حُثالَتهم.. كنتَ تخاف أن تُخدش سيارتُك الفارِهة، ويُختم عليها بأطراف أصابعٍ قذِره.. كنتَ تخشى على حِذاءك الجلديّ الأصلي أن تُلوِّثه أوحالُ أرضٍ تُرِكت على هيئتها الأولى.. وكم كُنت تجزَع مِن أن تعلَم زوجتك، سليلة الحسب والنسب وأبناؤك مرتادو المدارس الأجنبية، أنَّ لكَ أخاً شقيقاً يعيش في سكن لا ترضونه حتى لكلبكم "روكي"!
لقد كنتَ متيقّناً مِن كونِ شقيقِك يحسُدك لأنّك الثريُّ الناجِح، وهو الفقير البئيس.. 
واليوم، ها أنتَ ذا تُسلِّم وُريقاتٍ نقدية لابنَته، وتعِد أن تزورَها بينَ الفينة والأخرى.. ثم تتمادى أكثر وتمنحُها رقم هاتفِك الخاص على أن تُهاتِفك كلَّما لزِمَها شيء. أنتَ تدرك جيّدا سبب حرصِك على الاهتمامِ بها. ولكن لِم الآن؟ لِم تزور هذا البيتَ بعد أن رَحل صاحِبُه؟ 
هل تحتاج حقا إلى طرح هذا السؤال؟ أنتَ تعرف أنك الآن مُجرّد رجلٍ يعطِف على أُناس يَقربونه من بعيد، أما مِن قبل فقد كنتَ تستحيي أن يعرف الناس أنَّ ذلك الفقير المُعدم يكون ابن أمّك وأبيك !
ليتكَ تماديتَ أكثر وعرضتَ أن تبحثَ لابنة أخيك عن وظيفة تقتات منها هي وأمها المريضة. لقد كان هذا كفيلا بأن يمسحَ جُزءاً مِن الذنب الذي يؤرّقك، لكنّك لَم تفعل.. ماذا كنتَ ستقول لِمن ستطلُب منهُ توظيفها؟
إن هذه البائسة التافهة خريجة المدارس العمومية تكون ابنة أخي؟ هل تجرؤ على ذلك؟ يمكنك أن تقول مثلا إنّها قريبة بعيدة، ابنة عم غير شقيق لأبيك أو أيّ شيء من هذا القبيل. لكن ماذا لو راحَت تقولُ للناس أنّك تكون عمّها؟ هل تقدّر فداحة المَوقف ها هنا؟ 
بالتأكيد أنت تقدِّره، كعادتك تقدّر كلَّ شيء وتحسب لكل أمر ألف حساب.. إنك أبعد ما تكون عن التعاطف أو التأثر، وكذلك كنتَ في تعاملك مع شقيقك يومَ طرق بابك مستجيرا مِن هموم ألمّت به، فلَم تكلِّف خاطرَك عناء الاستماع إليه وطلَبت مِن الخادمة أن تُخبره أنّك منشغل بأمر هام.
يا رجل ! أيُّ عملٍ هام هذا الذي يُمارسه المرء في بيته ويمنعه عن استقبال شريكه في الرّحم؟ ! كذلك فهم شقيقك أنك تتهرّب، ولم يعد يطرق بابك أبدا.. إنّه لم يفعل حتى عندما مرض ابنه البِكر بذلك المرض الذي يخشى الناس ذكر اسمه، لقد تعاون أهل الحي كلهم من أجل توفير بعض مستلزمات العلاج، لكن العلاج كان باهضاً، وأنت كنتَ بعيداً..
شقيقك الآن وابنه في عداد الموتى، وكل ما بقي مِنه ابنة وحيدة، وزوجة هَرمة مريضة؛ فلا بأس أن تزورَهما أو تُرسل لهُما مَعونة، حتى تنفضَ عنك ذِكريات الماضي الكئيب.
ما أجمل أن تكون لك ابنة أخٍ ميّت تستعرض عليها ثراءك، وما أسوء أن يمنعها حياؤها من تمزيق وريقاتك النقدية بعد أن تبصُق على وجهك القبيح !

رامية نجيمة

الأحد، 28 ديسمبر 2014

يا صحبي :

لينا أبو بكر
يا صحبي :
من منكم طرق الليلة بابي يسألني عن شبح
شوهد يقفز من شباك القبر على هيئة جمجمة تلبس طربوشا
يتدلى من عنق السكين !
من منكم صاح بلا صوت :
الشبح الآن خبيء في بيت الشعر
فألقوا القبض على البيت
ومن يسكنه
كي ندرأ عنا مس الشعر
فإن الشعر لعينْ !

يا صحبي :
من منكم هدد لغتي بالذبح ؟
و جز الرأس
وتقطيع الأوصال
وتعرية اللحم
وأقسم بالشرف المهدور على عتبات مواخير الحرب و ملهى داعش أن يغتصب قوافيَّ
على مرأى الرائين ؟

يا صحبي :
تركوا خلفهم الشبيحة و براميل التفجير ، و زعران الثورات ، عصابات التكفير
وتجار الدم و أرصدة القوادين ببنك الدين ْ !
تركوا هولاكو يتنزه في مقبرة الخلفاء برفقة كسرى وجراء هرقل
و أذناب العثمانيين ْ
تركوا خلفهم ثأر كليب من ناقة شمطاء ْ
وتسلوا في داحس والغبراءْ
وضعوا دمهم في ثلاجات الموتى
وتطوع معظمهم للخدمة في جيش الفاشن شو
و مقاهي اللوطيين ..
غفروا العري لهيفاءْ
فالنظرة أولها لهُمُ والثانية عليهمْ
لا حرج من الأولى مادام الشرع يحللها
والمفتي الأكبر غض الطرف عن الإثم و أفتى بغسيل الذنب بمسحوق الفتوى :
مثنى وثلاث لقمع الفتنة ، يا الله !!!!!
المرأة في عُرفهم عار ، كيف إذن يفتون بما طاب لهم منها ، هل يحكي مجنون أم من يسمع أدن من طين ؟

يا ربي
جعلوا من كل المغضوب عليهم في صحراء التيه وكل الضالين
شعبا مختارا لك ْ
أما أرض فلسطينْ
صارت ملجأ إيواء للقطاءْ
ولأهليها سجنا وجحيمْ
تركوا الفيل وأبرهة الأشرم واليأجوجيين ْ
وقبائل مأجوج ، علامات اليوم الآخر
دور العهر و ثكنات الإخوانيينْ
و أتوا ببتي الشعري
بكل سيوف الصدأ المهترئ بأغماد العدنانيين و أجداث القحطانيينْ
خرجوا من أحقاف الردم ، لينتقموا من لغتي
شتموا عرضي
اقتسموا أرضي
حصدوا كل حجارة سجيل لترجم أشعاري باليود الحارقْ
فتطهرها من رجس شريعة حمورابي
وتحنطها في أسفار التكوين !

يا صحبي :
من منكم ألقى القبض على الأشباح أو الشبيحة في بيت الشعر
ولست سوى حمالة إصبعتي الوسطى
وجواز السفر الإنجليزي لأدخل كل بلاد العرب به
دون عوائق أو قفز جواجز أو جرم لجوء أو شبهة توطينْ !

لينا أبو بكر: كاتبة فلسطينية

الجمعة، 26 ديسمبر 2014

يحكى أن: درس الأستاذ فيليب

الإعلامي أسعد طه
لن يملك أحدكم إلا أن يضحك إذا ما شاهد هذا الرجل في هذا الموقف ، وجهه يتصبب عرقا بغزارة شديدة في يوم من أيام شتاء الإسكندرية ، كلتا يداه تمسكان بمقود سيارته الرينو البيضاء وبقبضة حديدية وكأنه يمنعها الفرار، يجلس منحنيا قليلا إلى الأمام ، مقطب الحاجبين ، يتطلع بصعوبة إلى الطريق الذي يبدو معتما من خلال الزجاج الذي غطته مياه الأمطار ، وقد أمتنعت المسّاحتان الأماميتان عن العمل ، وهو لا يملك إلا أن يردد "منك لله يا سعيد .. منك لله يا سعيد " ، أما الرجل فقد كنت أنا ، وأما سعيد فقد قال لي : شوف يا مستر ، معك الآن سيارتك وحصلت للتو على رخصتك وأنا لدي التزامات ومضطر لأن أتركك تقود سيارتك بنفسك وإن احتجت لشيء أبلغني ، وكأن سعيد لا يعلم كيف حصلت للتو وأمامه على رخصة قيادتي
في الاختبار النظري كان الممتحن يوجه لي السؤال على هذه الشاكلة : العلامة دي معناها إيه ، وقبل أن أهم بالإجابة كان يقول : تمام طيب ودي ، وهكذا حتى أنهيت الشطر النظري من اختبار قيادة السيارات بنجاح باهر لأتجه إلى الشطر العملي ، تركب سيارتك وتقود أمام جماهير الممتحنين في منحى ذهابا وإيابا ونجاحك مرتبط بألا تصطدم بأي علامات بلاستيكية وضعت على حدود الطريق ، والذي حدث أنني أطحت بها كلها ، في الحقيقة إلا واحدة ، غير أني حصلت على رخصة القيادة لأسباب معروفة بالطبع
والغريب أن قيادة السيارات استهوتني تماما ، وأنا الذي كنت أعتقد أنها مسألة مستحيلة ، آخر ما تصورت أنه بمقدوري أن أفعله هو أن أقود سيارة ، كيف للمرء أن يمسك بالمقود ويحرك مغير السرعات ويستخدم قدميه لدفع الوقود أو للفرامل وأن يرقب الطريق الخلفي بواسطة المرآة الأمامية ، والطريق الجانبي بواسطة المرآتين الجانبيتين ، ذلك كله في وقت واحد ، والأدهى أن يتحدث مع مرافقيه ، تلك بالفعل هي المهمة المستحيلة ، لكني قررت خوضها عندما تذكرت درس الأستاذ فيليب
في مقهى المحطة الرئيسية لمدينة فرانكفورت كنت أجلس كل يوم أحتسي الشاي واضعا أمامي كومة من الجرائد العربية الرئيسية وقد استنفذت قروشي القليلة ، أقرأ الخبر ذاته هنا وهناك ، وأقارن الصياغة المتعددة ، ثم أرصد تطور الخبر بين ما نشر أمس والمنشور اليوم ، أحاول أن أتعلم كيف يصاغ الخبر عن قضية ما ، ثم كيف تتطور صياغته كل يوم ، لقد قررت أن أعلم نفسي بنفسي مهنة الصحافة ، وأنا الذي لم أدرسها لا من قريب ولا من بعيد ، كان المشهد للأصدقاء هزليا ، من أنت وماذا تفعل وكيف لك أن تضع نفسك رهن حلم عظيم المنال ، لكني خضت التحدي ، وعلى صعيدين ، الأول أن أعلم نفسي بنفسي ، والآخر أن أجد موطئ قدم لي في أي مؤسسة إعلامية ، ما تركت صحيفة ولا مجلة إلا وراسلتها ، كنت أشتغل في مهن مختلفة حتى أصرف ما أجنيه منها على معيشتي اليومية وعلى تعليم نفسي ثم على إعداد مقالات لا أعرف إذا كنت سأنجح في إقناع أحد بنشرها ، كنت أدرك أن ثمة موهبة قد منحني الله إياها ، لكنها ليست كافية لتلحقني بهذا الدرب ، كنت مؤمنا بأنه يجب أن أبذل جهدا جبارا لأتمكن من صقل موهبتي ، ومن أن أضع قدمي على أول الطريق ، كانت فكرة الدأب والسهر والحمى والإصرار والتجربة تلو التجربة هي التي تدفعني إلى العمل بعد أن تذكرت درس الأستاذ فيليب
أنا نفسي كنت مندهشا من عدم قدرتي على رسم أبسط الأشياء ، كانت درجاتي هي الأدني في مادة الرسم في فصلي كله ، ولأني كنت في الشهادة الإعدادية ، ولأن درجات هذه المادة تضاف إلى الدرجات النهائية ، ولأن والدي يرحمه الله كان حريصا على أن أحافظ على تفوقي في المواد كلها فقد أقترح علي اقتراحا غريبا ، ربما تحدثت عنه مدرسة طنطا الإعدادية ، وأعتبره تلاميذها أنه من سخافات أهل قناة السويس الذين قدر لهم مثلي أن تكون هجرتهم إلى بلادهم عقب نكسة سبعة وستين
حدثت على خجل صديقي ناجي عن رغبتي في الحصول على درس خاص من والده المدرس بنفس المدرسة ، وبعد التعبير عن الاندهاش الشديد ذهبت إلى الحصة الأولى ، أستطيع أن أدعي إني حينها كنت التلميذ الوحيد في بر مصر الذي يتردد على درس خاص للرسم ، حدثني الأستاذ عن الإرادة ، وقال حازما دونها لن تتمكن من صنع أي شيء أو تحقيق أي إنجاز ، تكلم عن الثقة بالنفس كعامل أساسي لضمان النجاح ، ثم أتى برسومات لمشاهير الرسامين ووضعها أمامي وقال أختر واحدة وأرسم مثلها ، غضبت وقلت له أتستهزأ بي يا أستاذ ، أنا لا أجيد رسم أبسط الأشياء ، فكيف يمكنني مضاهاة المشاهير من الرسامين ، فذكرني بالإرادة ، وحدثني عن المران ، وأن الصبر والدأب عليه سيضعك في مركز أقرب لمن رٌزق الموهبة ، وبدأ يشرح لي كيف أن الأمر ليس في الحقيقة مستحيلا ولا صعبا كما أتخيل ، وجه الرجل مثلا يمكن أن يكون هكذا كبيضة ، ثم نعدل هذا قليلا وذاك أيضا وهذا بعض الشيء فيصبح هكذا رسما جميلا لوجه
كل ليلة وبعد أن أنهي مذاكرتي أبدأ في المران ، كنت سعيدا بالتحدي ، وكنت أحقق تقدما باضطراد ، أدهشني أنا نفسي ، إلى أن جاءت نتيجة آخر العام لأتحصل على ثمانية عشر درجة من أصل عشرين ، فيما حصل أصدقائي الموهوبون على عشرين ، أي بفارق درجتين ، وتذكرت نتيجة أول اختبار للرسم لي وقبل درسي الخاص والتي كانت ثلاث درجات برتبة راسب ، لقد سعد والدي رحمه الله بالنتيجة أيما سعادة ، شعر أن فكرته أثمرت ، وأنه أصاب في قراره ، لكن ما لم يعرفه أن نتيجة الدرس الخاص تجاوزت الرسم إلى حياتي كلها ، ذلك أنه ما من تحدي خضته إلا وتذكرت درس الأستاذ فيليب.
أسعد طه
ينشر بالاتفاق مع الكاتب.


الخميس، 25 ديسمبر 2014

سَمَرُ الخميس: شوق الدرويش، لعنةُ المحبة

حامد الناظر
لعلها أيام الروايات التاريخية بامتياز، وقد كانت لطيفةً ولا شك، قضيْتُها في نزهةٍ جميلة في زمنٍ بعيدٍ لم يكن زمني، ولكني عشته على كل حال مثلما أرادت لي الحكايات الجميلة، بين الترك والجند والعبيد والدراويش والمبشرين، وبين روائح الجروح والأزقة العطنة والخرافات التي لا تحدث ولا تنقضي، قرأت فيها فشودة الباذخة، قصة البيمباشى علي أفندي جفون كما حدثتكم، ومن بعدها عاودني الحنين إلى صديقٍ قديم هو تشينوا أتشيبي وأشياءه السوداء المقدسة التي تداعت تحت وطأة ذلك البياض الغريب -الذي نزل بها وبأرض أوموفيا كالبرص- ثم محاها كما لو أنها لم تكن قائمةً أصلاً، دون عزاء لـ أوكونكو المتمرد المخلص، لكن تلك قصة أخرى..
انتهت الأيام الصاخبة بحمور زيادة الذي أرهقه كذلك هذان اللونان العسيران فأرهقني، عبثية الأقدار في حكايته جعلت منهما كالزيت والماء يرسب هذا ليطفح ذاك مع تقلب الحالات بين النصر والهزيمة دون أن يذوبا في بعضهما، أو يمشيا مشوار الحياة جنباً إلى جَـنْـبٍ في سلام، حتى تصدى التعيس "بخيت منديل" لهذه المهمة الحضارية العسيرة فلم ينجح كما أراد ثم لم يسكن شوقه الغريب -في مكانه وزمانه- بالسجن والثأر والدم إلى أن انقضت الرواية..
شوق الدرويش مربكة، كل شيء فيها لا يكاد يستقر على حال حتى يتحول إلى شيء آخر، الإيمان إلى غلو والحب إلى دين والحريّة إلى قمع والإخلاص إلى خيانة، وهي كذلك مخاتلة، لم تُسلمني نفسها كما تمنيت، راوغتني بمتعةٍ غامضةٍ متّصلة، بل بشيء مثل السحر لا يجعل لـ "اللّذة" ذروةً ومنتهىً وإنما حالة لا متناهية من اللذات تأسر القارئ وتمسك بتلابيبه دون أن يقضي منها وطراً، تماماً مثلما حدث لبخيت مع أسطورته البيضاء المستحيلة ثيودورا، فهل ينبغي للروايات الناجحة أن تنقل العدوى؟!
لعلّ السر لا يكمن في الحكاية الجميلة وحدها وإنما في أشياء كثيرة، ولا أعرف أي شيطان أوحى لكاتبها ليتّبع مثل هذا التكنيك السردي المربك والأخاذ في آنٍ معاً؟ وكأني به -بعد مشاهد السجن الأولى- أخذنا إلى بيتٍ قديم، صدئ الأبواب لم يُفتح منذ مائةٍ وثلاثين عاماً، تسكن أشياؤه الصاخبة تحت طبقةٍ كثيفةٍ من الغبار والعتمة، وبَدَل أن ينفضَها أمامنا واحدةً بعد أخرى دلق عليها الماء والضوء -كلها- دفعة واحدة ثم حدثنا عنها كيفما اتفق دون تسلسلٍ أو ترتيب، تاركاً لأذهاننا هذه المهمة الشاقة..
حمور خلخل الزمن في هذه الرواية بطريقة جريئة، وروى الأحداث من دون ترتيبٍ زمني معتمداً على القطع المفاجئ والقفز الحر من زمنٍ إلى آخر بطريقة تكاد تكون عشوائية لكنها رشيقة متقنة، وهو على أي حال تكنيك ممتعٌ وخطرٌ في آنٍ واحد إذ إنه مُجهِد للقارئ غير المتمرس على فنون الحكي الروائي وقد يغادرها مع أول تشابكٍ للمشاهد في ذهنه، لكنه يُبقي القارئ الفطن متيقظاً مشدوداً وحاضر الانتباه حتى نهاية الحكاية، ليتمكن بعد ذلك من تركيب أجزاء الصورة التي تتمدد في خياله على رقعة زمنية ومكانية واسعة، ولعله خيراً فعل إذ كسر رتابة الحكي بطريقة هزّت أنماط السرد السائدة وأشركتْنا معه في صناعة الحكاية الطويلة المرهقة..
أظنه حاول أن يماثل ذلك الزمن المجنون الذي عاشه السودان نهايات القرن التاسع عشر بحماقاته كلها، بإيمانه المطلق بمهدي الله ودعوته وخليفته، بسذاجة مبشريه وانتهازية مستعمريه ووحشية عوالمه المطحونة بفعل العبودية والفقر، وبحالة الصدمة العميمة التي خلّفها الهوس بالدِّين والقمع والجوع والظلم والقتل في شأن الله أو في شأن غيره "احذر الإيمان يا ولدي، فمنه ما يُهلك كالكفر" وكأنّ الكاتب يبحث وسط هذا القبح الشامل عن الحب ليقدمه كشيء جميلٍ أوحد حدَث، لكنّه أبى إلا أن يشبه زمنه أيضاً، فجاء مجنوناً ومتناقضاً ووحشياً "لا تحب بعنف لأنك ستتألم بعنف، لا تحب، كي تخرج سالماً لا لك ولا عليك!"
شوق الدرويش كما قرأتها قصيدة طويلة في شأن المحبة، لكنها محبة ممسوسة، فيها لعنة غامضة، فكل ما جرى من بشاعاتٍ وألمٍ ودماء كان باسم المحبة، ما حدث للإمام وخليفته وأتباعه كان بدافع وغاية المحبة، ما عذّب بخيت منديل والحسن الجريفاوي وفاطمة ويوسف أفندي ونفيسة ومريسيلة وغيرهم هي المحبة، ما جاء بالعصفورة ثيودورا ورفاقها المبشرين المؤمنين لم تكن إلا المحبة، حتى حين أكلت "عَطا مِنّو"/أم مريسيلة رضيعها الصغير لم يكن جوعاً محضاً بقدر ما فهمتُه محبة، تماماً مثلما تأكل القطة صغارها خوفاً وشفقة..

قرأت بعض الآراء حول هذه الرواية منذ صدورها، أغلبه في صفها وبعضه تعمق أكثر في تفاصيلها فطالبها بكمالٍ يبدو عسيراً، وكشأن الأعمال الحية الناضجة فإنها أثارت ذلك الجدل المهم ولا شك، سواء في ترسيخ صورة نمطية مشوهة ظل السودان أسيراً لها خاصة في الذهنية المصرية كما ذهب البعض، أو فيما اعتُبر محاكمةً للتاريخ وتعريةً منحازة لفترة حكم الخليفة ود تورشين كما اعتبر آخرون، وأياً ما يكن فالكاتب ليس مطالباً بأن يثبت شيئاً أو ينفيه، أن يتخذ موقفاً من التاريخ أو ينسجم معه فتلك ليست مسؤوليته، إنه -فقط- مطالب بالكشف عن مثل تلك العوالم التحتية الموازية وتقريبها من السطح، بفتح الجروح بقيحها وصديدها لعلها تبرأ وتجفّ تحت الشمس، ولا بأس -في خضم ذلك- من إضاءاتٍ صغيرة هنا وهناك على الجوانب المشرقة في مجتمع تلك الفترة، إذ لم يكن كله إما عبداً أو قاتلاً أو مومساً أو انتهازياً، كان المجتمع كشأن المجتمعات الإنسانية الأخرى منطوياً على نماذج متباينة فيها الخير والشر، ولو أنه فعل لكفى نفسه عنتاً كثيراً..
لغة الرواية كما لاحظت ليست مترهلة، إنما جزلة محكمة وجميلة أيضاً، لكنها قلقة ومتعجلة في نقلاتها من جملة إلى أخرى، من حوارٍ إلى وصف، من استفهامٍ إلى استدراك، من سؤالٍ إلى جواب، تشبه زمن حكاياتها كثيراً حيث كانت جملة قصيرة مبتورة، كلمة، بل نصف كلمة يمكن أن تودي بصاحبها إلى السجن أو حبل المشنقة دونما روية، كان الكل يرى في أفعاله الناقصة وأحكامه المتعجلة خطوة في طريق الإيمان المطلق بدعوة المهدي وحتمية تمامها شرقاً وغرباً، أو خطوة في الاتجاه المعاكس بأنها محض دروشة زائلة واتّباعٌ أعمى لإمامٍ معتوه، وبين هذا وذاك وجدتني معجباً بحالة الحسن الجريفاوي الاستثنائية، أبهرتني بذلك المزيج المتكافئ من الشك واليقين في زمنٍ لم يكن يحترم إلا الحد الأقصى في كل شيء "لكنه في المهدية ولغ في الدم وخاض في الموت، لماذا يرفض الناس العدل؟ ولماذا ينشر العدل الظلم؟ ما عادت الأمور واضحة، المهدية حق لا شك فيه، كيف ينكر المهدية وهي رسالة الله؟ لكن ما بال رسالة الله تنشر الموت؟ في عهد التركية كان مؤمناً مظلوماً، وحين شرح الله قلبه للمهدية صار ظالماً شاكاً، أين الحق؟"
لو أن ثمة ما يلاحظ فهو تصدير الفصول وبعض مقاطع الحوار بآياتٍ من القرآن والإنجيل وأقوال بعض الحكماء والمتصوفة في مواضع كثيرة من العمل، ولعلّ التأويلات النصية المقدسة لم تكن ضروريةً إلى هذا الحد ولم يكن الكاتب مطالباً بها، النص من دونها أكثر رشاقة وأكثر إنسانية في تفسيره للمواقف والمشاهد وقد كانت مفهومة دونما حاجة إلى تلك الإشارات، عدا ذلك فالرواية -في ظني- على قدر كبير من الجرأة والمتعة وإثارة الأسئلة..
على أي حَال هذا شأن القصص الكبرى، ومخطئٌ من يظن أنها وصلتنا مثلما خطرت لصاحبها، وأنها كلفته عناء كتابتها وتسويدها على الورق بعد أن رسمها في مخيلته بدقة، ظني بهذا العمل أنه أنجز قطعةً قطعة، وتاه صاحبه زمناً في مستنقع الألم الذي تخيله قبل أن يكتبه، ثم في أثناء ذلك عبَرَ متاهاتٍ من الرهق والقلق والإحباط والجَلَد واللهث وراء الشخصيات العنيدة والغريبة والأحداث المتداخلة المبهمة، ومرّ كذلك بلحظات نشوةٍ وحماس ونصر حتى جاءنا بقوسه وسهمه كأحد الفرسان القلائل الذين يستحقون الألقاب، وهو على كل حال من جيلنا الموسوم دائماً بالكسل والفراغ وقد انتصر لنا وأطال أعناقنا على نحوٍ مثيرٍ للزهو..

حامد الناظر؛ روائي سوداني مقيم بالدوحة

الخميس، 18 ديسمبر 2014

سَمَر الخميس: فَشُودَة، حكايةُ الرّق والرّقِيق

حامد الناظر
هي ببساطة حكاية "علي جفون" المحاربِ النبيل، والجندي الشجاع والقائدِ الحكيم أيضاً، مثلما هي حكاية "نيابو" الطفلِ الشُلْكاوي الذي انتُزع من مدينته ومسقطِ رأسه "فشودة"، خرج منها محمولاً على ظهر الصبيّة "شول" وهي التي كانت تقول له دائماً: 
"
لا تقف أبداً بين فرس النهر والنهر، وإذا رأيت فرسان "البَقّارة" يركضون نحوك فلا تتردد من أن تلقي بنفسك في النهر".
لكنه عجز عن ذلك بسبب الحمى وصغر السن، واقتيدا سوياً إلى مدينة "تلودي"، ثم ضاع أثر الصبيّة في رحلة العبودية المجهولة وأصبح نيابو جندياً في الجيش المصري، بالصدفةِ المحضة..
وفي الرحلة القصيرة بين الرّق والجندية خُتن نيابو على طريقة المسلمين وليس على طريقة أهله الشُّلُك، سُمي عَلياً وأضيف اسمه إلى اسم سيّده "جفون" قبل أن يتنازل عنه -بزهد- إلى الحكومة التركية-المصرية ليصبح الجندي علي جفون، ثم تنازلت له الحياة عن بعض كبريائها فترقى سريعاً في سُلَّم الرتب -العصي على أمثاله- إلى أن بلغ رتبة الميجور في الجيش المصري وعاد إلى فشودة بعد خمسين عاماً من الغياب القسري، مساعداً للسردار هربرت كتشنر وهو أقوى شكيمة وأكثر حكمة: 
"
وعلى الرغم من أن حياته لم تكن كما يريد، فقد نجح، ضمن إطار هذا اللباس العسكري الذي حرره واستعبده في آن واحد، في أن يصنع لحياته معنى وأن يضع لها غاية".
وما بين ذلك الخروج المهين من فشودة والعودة الظافرة إليها تقع القصة الكبيرة..
الرواية هي قصة الرّق في السودان كما لم تُكتب من قبل، وإن شئت هي من ذلك النوع الملحمي، نسجها كاتبها الدكتور أحمد حسب الله الحاج بحذقٍ، وحشد لها من معرفته المذهلة بالتاريخ والجغرافيا وأحوال الدول والشعوب والقبائل الشيء الكثير، ثم استخدم مهارته في السرد وتطويع اللغة وبناء الشخصيات ليقدم لنا "علي جفون" كـ (شاهد ملك) على أحداث عصره وآلام بني جلدته، وكذلك على مآلات الصراعات من أجل النفوذ واقتسام المستعمرات في القرن التاسع عشر وقيام الدولة المهدية وانهيارها، وما وقع من أحداث كبيرة ومعارك في تلك الحقبة المضطربة دون أن يقع في فخ رواية التاريخ، رغم أنها روايته الأولى حسبما علمت..
لكنّ ذلك ليس كل شيء، فالمدهش في الرواية كثير، وأوله بناؤها السردي الجميل، تبدأ مثلما تبدأ مائة عامٍ من العزلة بمشهد أورليانو المحارب أمام كتيبة الإعدام ثم تعرج إلى طفولته وصعوده وتراكم الأحداث من حوله إلى أن تعود إلى ذات المشهد بعد إخماد الثورة، وهكذا تبدأ الرواية بمشهد الباخرة سلطان المتجهة من الخرطوم -بعد سقوط الدولة المهدية- إلى فشودة وهي تحمل علي جفون وكتشنر وآخرين، ثم تروي لنا حكايته العريضة التي هي في جوهرها حكاية إنسان بسيط، أحدث أثراً لا بأس به في حدود العالم الذي تحرك فيه، لكنّ ذلك العالم أثر في حياته بشكلٍ يكاد يكون شاملاً، كما أنها حكاية الإنسان مع القدر وتقلبات المصائر في معناها الواسع..
أخذتنا شرقاً إلى كَسَلا وحصارها على يد عثمان دقنة القائد المهدوي، وفرسان سبدرات وألقدين وبني عامر والسيد الحسن مروراً بإرتريا والباريا والبازا وبلين وموقعة غونديت، وكرن ومصوع وأماتري، ثم سواكن وفرسان الهدندوة والأمرأر والتيب وهندوب والتاماي ثم جدة ومصر وفرنسا والمكسيك، ثم مصر مرةً أخرى وحملة كتشنر وانهيار الدّولة المهدية فالعودة إلى فشودة، ليكتمل المشهد الذي بدأت به الرواية وتلتحم أطراف الدائرة من جديد وقد اكتسب بطلها حكمةً عميمةً في تجواله الطويل، ليقف مع كتشنر ومارشان والرث والزعيم داك والأسطورة نياكانق كتفاً بكتف وقد عجنته حياة الجندية وعلمته، رغم جحود عصره وقلة حظ لونه..
علي جفون لم يكن يعتمد القراءة أو التلقين أو أي شيء آخر وسيلة للتعلم، وإنما الملاحظة والتجربة والمعايشة المباشرة، وبالتالي حيثما حملته الأقدار كان يكتشف ذاته والعالم من حوله ويتعلم، وهو في الحقيقة يكشف لنا ما أراد لنا (الكاتب) أن نعرفه في تلك الرحلة الطويلة التي أخذته هو وبعض زملائه الآخرين إلى مصر وإرتريا وأثيوبيا وفرنسا والمكسيك فضلاً عن أقاليم السودان الأخرى، وهو موضوع الحكاية، الرّق والرقيق، لكن بطريقة جذابة ومحايدة وموغلة في الحرفية: 
"
أسماء مثل حديد فرحات وبهجت سرور وفرح عزازي وفرج الزين، أسماء اتخذوها كتعويذات تطرد عنهم ذُل الغبن، وتبعد عنهم هوان الاسترقاق، لقد غرست العبودية نصلها في أرواحهم فنزفتْ، ولكنها لم تمت، وَلَمْ تفقد قدرتها على الفرح".
الكاتب ذكي بما يكفي، إذ لم يقدم لنا بطل الرواية علي جفون عبداً مقموعاً طوال حياته، وإلا وقع في مأزقٍ صعب، اضطر معه إلى تشريح الذات وتصوير الألم النفسي وعذاب الروح والجسد بطول الرواية وعرضها ما يوقعه في الإسهاب والتكرار ويوقعنا في الملل، وإنما قدمه لنا في صورة أخرى أقرب إلى الشاهد منها إلى الضحية، تاركاً مسافةً معقولة بينه وبين ضحايا الاسترقاق الآخرين وبينه وبين الجلادين ليوسع أمامنا زاوية الرؤية -بمهل- وفي أماكن عدة نزفت فيها أرواح أولئك الأرقاء الذين نسيهم التاريخ وأنسانا مآسيهم، مثل لول وزينب السيسبانة وعديلة وجيلان وغيرهم..

حسب الله قدم مرافعة تاريخية وإنسانية غاية في النضج أيضاً، فما جرى بين كتشنر ومارشان في ذلك اللقاء التاريخي على أرض فشودة، هو في حقيقته استعراضٌ أوروبي حضاري إن شئت، قابله الكاتب بنموذج آخر أكثر هدوءاً، أقطابُه (الرث-السلطان داك-الميجور جيفون) وأساسه الحكمة الإفريقية العميقة في أرض الشلك دون أن يقع في فخ المقارنة المباشرة/وما جرى بين كتشنر ومحمود ود احمد بعد موقعة عطبرة، هو في حقيقته انتصار لكبرياء المحارب السوداني نداً لند أمام الغازي المنتصر في صورة مغايرةٍ تماماً لما جاء في وصف المشهد ذاته عند الطيب صالح/وما جرى للمحاربين السودانيين وما فعلوه في أرضٍ غير أرضهم مثل فرنسا والمكسيك هو بلاءٌ طيب وحسن سيرة/وما جرى على ضفتي المعارك بين ثوار المهدية وغرمائهم -وهم وقودها على الجانبين- هو انضباط الجندية في أعلى حالاته، والذي لم يكن صاحب الراية الزرقاء ليحسن غيره حتى تمنى كل مَن رَآه ميتةً كميتته المشرفة دون أية اعتبارات أخرى غير الإخلاص للمهنة، فلم ينسب انتصاراتهم أو هزائمهم لغيرهم مثلما فعل التاريخ والمؤرخون/وبين يدي كل ذلك لم تخلُ القصة من مشاهد حميمة للحب واللهفة والرغبة والندم والحكمة مثلها مثل أي قصة إنسانية كاملة الأركان..
حسب الله أحاط بكل التفاصيل المهمة في العمل الروائي دونما إفراط أو إسهاب، كان مخلصاً للحكاية، مانحاً شخصياتها أدواراً في حدود إمكانياتها وزمانها، لكنه أيضاً ترك للقارئ ما يمكن أن يضيفه، اكتفى بوصف طول البطل علي جفون وهويته وترك لنا بقية التفاصيل، أعطانا الملامح العامة للمدن والبلدات في ذلك العهد وترك لنا تخيّل روائحها وشكل أزقتها وبيوتها، حدثنا عن "الجنود العبيد والعبيد الجنود" وتَرك لنا تصور حيواتهم السابقة واللاحقة، ثم ترك حبل النهاية على القارب ذاته الذي بدأت معه الحكاية، سابحاً على ظهر النيل ومنساباً مع جريانه الأبدي، كما ينبغي للأعمال الكبيرة أن تختتم.. 
وبمحبة، يقول عنها الصديق الروائي محمد سليمان الفكي: 
"
فشودة رواية عظيمة، عظيمة لأنها تلامس الفعل والمأساة على خلفية من الدماء والمعارك شأن القصص الكبيرات، لعلها الأشمل التي تحكي تاريخ الرّق في السودان، ثم بها حرفية روائية غاية في الإتقان في استخدامات الزمن والتصريح بالأسماء ثم الكشف عن شخصيات ذات ملامح لاحقاً في نتف، ثم في فراغات ثم في إكمالات".
إن كانت ثمة ملاحظة، فهي إغفال الرواية للجانبين السياسي والاجتماعي وتعاطيهما مع قضية الرّق، ففي الفضاء الزمني الذي تحركت فيه أحداثها، كان المجتمع المحلي الزنجي المستنزف يقاومها، وكذلك مارَس الإنجليز ضغوطاً هائلة على حكومة الخديوي في مصر لتجفيف منابعها ومحاربة المشتغلين فيها، ولعلها كانت إحدى المهام الرئيسية الموكلة إلى الجنرال تشارلز غوردون في كل من الإستوائية والخرطوم، وأحدث ذلك أثراً لا بأس به رغم مقاومة تجار الرقيق ومراوغة الخديوي إسماعيل وغضه الطرف عنها بسبب أزماته المالية المتلاحقة، وكان يمكن أن تغني الرواية وتمنحها بُعداً إضافياً، إلا أن ذلك لم يقلل من بهائها وشمولها الغالب..
على أي حال، كنتُ كلما وقعتْ بين يدي رواية سودانية سمعتُ أو قرأتُ عنها في مكانٍ ما، اعتقدتُ أنها الرواية التي ظللتُ أبحث عنها ثم لا تحدث، حتى وقعت هذه الرواية بين يدي عن طريق الصدفة المحضة، إذ تفضّل عليّ الصديق عبيد بوملحة -وهو روائي إماراتي وصاحب دار مداد للنشر- وأهدانيها ضمن هدايا أخرى رائعة له وللصديق محمد سليمان الفكي، ومنحني ذلك ثقة ورغبة إضافية لأسامركم حول الحكي وعوالمه اللذيذة الغامضة بين يديها، وما أتصور أنه العمل الروائي السردي كما ينبغي أن يكون..
قُدمت هذه الرواية إلى جائزة كتارا للرواية العربية في نسختها الأولى هذا العام، وأظن أنها ستجد حظها إذا قُرأت فعلاً، لكن المؤكد أنها ستظل مثار احتفاء النقاد ومحبي الأدب لوقتٍ طويل..

حامد الناظر؛ روائي سوداني مقيم بالدوحة

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

السيدة والخادمة

رامية نجيمة

 "منذ عشر سنوات وأنتما تخدعانني وتمارسان الرذيلة في بيتي!"
قالت مريم وهي تتحسس بيدها الأريكة خلفها قبل أن تهوي عليها منهارة:
لكنه ردّ مُستفزا، وبسلاطة لسان لم تعهدها فيه من قبل:
- "لا تسمي علاقتنا رذيلة لقد قلت لك نحن متزوجان منذ عشر سنوات"
- "وماذا تسمي زواجك مِن خادمتي، في بيتي، سرا، وأنا أقاسمك الفراش منذ سبعة عشر عاما؟ تتقابل نظراتنا كل يوم وتتقاطع خطواتنا، تطعنني في ظهري كلما أشحت عنك بوجهي، إذا لم تكن هذه رذيلة فما هي الرذيلة إذن؟ ألست أنت الأستاذ المحترم، ومربّي الأجيال، والحاصل على دكتوراه في علوم اللغة، ربما التبست الأمور علي أنا، لكنها يستحيل أن تلتبس عليك وأنت صاحب المنطق والحجة، والأدرى - إذن- بالرذائل وخباياها!"
لم يتحمل الزوج مزيدا من الإهانات في حضور زوجته الثانية، فانفجر قائلا:
- "الرذيلة يا سيدة المجتمع الراقي يا رئيسة جمعية حقوق المرأة، ومؤسسة رابطة النساء الناشطات، أيتها المثقفة المشغولة دائما، الرذيلة هي أن أكون متزوجا منذ أزيد من عشر سنوات، وطيلة هذه الفترة أعود كل يوم من عملي لأجد زوجتي خارج البيت فآكل وحدي وأشاهد التلفزيون وحدي وبعد أن أتعب من الانتظار أنام وحدي، وحين أستيقظ تكونين أنت لا تزالين نائمة من إرهاق السهر فأبدل ثيابي وأفطر وحدي وأقرأ الجرائد وحدي، وأذهب إلى عملي وحين أعود لا أجد غير هذه "الخادمة"، ترعاني وتهتم لأمري تعرف مواعدي وأسباب انشغالي.. إن هذه المرأة الواقفة أمامك الآن، هذه المطأطئة في صمت كما ترينها، هي التي كانت تعد لي طعامي وهي التي كانت تحضر لي قهوتي وهي التي كانت تعرف دائما مكان نظاراتي وحقيبتي، هي التي كانت تلملم الأوراق المبعثرة على مكتبي، وهي التي كانت تعرف مكان ربطة عنقي، وهي التي كانت تستقبل ضيوفي، وحين مرضت كانت تعتني بي...و..
- صه! كفاك استفزازا لمشاعري! ألهذا استبدلتني بالخادمة؟ بسبب ربطة عنقك الضائعة، والقهوة التي لم تكن تجد من يعدها لك؟ أنا التي أعلّم النساء كيف يكنّ عصاميات كيف يعتمدن على أنفسهن ويتحررن من سجن الرجل يستبدلني زوجي بالخادمة لأنه كان يفطر وحده في الصباح؟ حقا ما أحقرك من رجل!
زمّ نجيب شفتيه، ثم تنهد بعمق ونظر إلى الخادمة وهو يقول:
- هيا يا خديجة، لملمي أغراضك، ولنرحل من هنا على الفور
أومأت الخادمة بالإيجاب وذهبت إلى غرفتها تاركة الزوج يضع ثيابه في حقيبة، أما مريم فقد أطلقت ابتسامة حاولت أن تجعلها طبيعية قدر الإمكان وقامت بثقة امرأة مجروحة وهي تقول:
"وإلى أين ستأخذ امرأة بهذا المستوى الضئيل؟ إلى أحد الفنادق الفخمة التي كثيرا ما تناولنا فيها العشاء؟ أم أنك لا تذكر إلا الايام التي كنت تشاهد فيها التلفزيون وحدك؟!"
ودون أن يرفع رأسه أو يتوقف عن جمع أغراضه قال الزوج باستهزاء وكأنه يحاول الإمعان في إهانة مريم:
وما حاجتنا إلى فندق ونحن نمتلك منزلا؟
لم تتمالك الزوجة نفسها، سقطت جالسة على السرير وضعت يدها على فمها كأنها تود أن تكبت صرخة وصاحت في ذهول:
-   تمتلكان منزلا؟
- نعم، لقد كنا نمضي هناك أياما كلما سافرتِ إلى بلد ما، وما أكثر سفرياتك، هل تذكرين؟
لم ترد مريم لقد صعقت فعلا، وهي الآن دائخة إنها غير قادرة على استيعاب الموقف، لعل هذا يكون حلما؟ لعلها تتخيل، أو ربما هي في غيبوبة، زوجها متزوج من خادمتها منذ سبع سنوات، واشترى لهذه الخادمة بيتا ليضمهما معا، لقد كان زوجها خائنا، بل ممعنا في الخيانة، وهي التي ضحت وأفنت عمرها في خدمته ومنحته كل شيء... ما أقسى أن تأتيك الخيانة وأنت منشغلة في تأسيس حياة أجمل لكِ ولأهل بيتك، وما أصعب أن تعلق كل الأخطاء على مشجبك وكل ذنبه أنه ملك لامرأة..
غادر الزوج الغرفة متوجها نحو الباب ولحقته الخادمة، ووقفت مريم تتأمل الخادمة التي لا تصغرها بكثير، لكنها تفوقها رشاقة وأناقة، تضع أكسسوارات مختارة بعناية وفي يدها نظارات شمسية من الطراز الرفيع، ما هذا؟ أيعقل أن تكون هذه هي الخادمة؟ كيف لم تعرها انتباهها من قبل؟ كيف كانت منشغلة إلى الحد الذي أعماها عن حقيقة ما يدور في بيتها؟

صُفِق الباب وبقيت مريم واقفة تتأمل يديها وتتحسّس بهما وجها تبددت ملامحه تحت وطأة خطوط وترهلات، إن خادمتها كانت أكثر اعتناء بنفسها من سيدة البيت. أحست بغصة، لكنها بكت بمرارة حين رأت من زجاج النافذة زوجها يغادر مع السيدة "الخادمة" في السيارة، ولأول مرة في حياتها شعرت بأنها لم تكن سيدة قط، بل طوال الوقت كانت هي الخادمة.

رامية نجيمة

انقر هنا لقراءة النص من مصدره.