أخر المقالات
تحميل...
ضع بريدك هنا وأحصل على أخر التحديثات!

عـــالــمـك الــخـاص بـــك!.

آخر المقالات

المقالات
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

عَمـّي

رامية نجيمة
ما أجملَ أن تزور بيت أخيكَ المتوفّى حديثاً، وتحشُر في يدِ ابنَته الوحيدة بِضع نقود، أنتَ الذي لم تزره قَطّ إبّان حياتِه.. كنتَ تأنفُ من دخول سَكنِه الصَفيحيِّ في ذلك الحيّ الذي َيسكنُه مِن البشر حُثالَتهم.. كنتَ تخاف أن تُخدش سيارتُك الفارِهة، ويُختم عليها بأطراف أصابعٍ قذِره.. كنتَ تخشى على حِذاءك الجلديّ الأصلي أن تُلوِّثه أوحالُ أرضٍ تُرِكت على هيئتها الأولى.. وكم كُنت تجزَع مِن أن تعلَم زوجتك، سليلة الحسب والنسب وأبناؤك مرتادو المدارس الأجنبية، أنَّ لكَ أخاً شقيقاً يعيش في سكن لا ترضونه حتى لكلبكم "روكي"!
لقد كنتَ متيقّناً مِن كونِ شقيقِك يحسُدك لأنّك الثريُّ الناجِح، وهو الفقير البئيس.. 
واليوم، ها أنتَ ذا تُسلِّم وُريقاتٍ نقدية لابنَته، وتعِد أن تزورَها بينَ الفينة والأخرى.. ثم تتمادى أكثر وتمنحُها رقم هاتفِك الخاص على أن تُهاتِفك كلَّما لزِمَها شيء. أنتَ تدرك جيّدا سبب حرصِك على الاهتمامِ بها. ولكن لِم الآن؟ لِم تزور هذا البيتَ بعد أن رَحل صاحِبُه؟ 
هل تحتاج حقا إلى طرح هذا السؤال؟ أنتَ تعرف أنك الآن مُجرّد رجلٍ يعطِف على أُناس يَقربونه من بعيد، أما مِن قبل فقد كنتَ تستحيي أن يعرف الناس أنَّ ذلك الفقير المُعدم يكون ابن أمّك وأبيك !
ليتكَ تماديتَ أكثر وعرضتَ أن تبحثَ لابنة أخيك عن وظيفة تقتات منها هي وأمها المريضة. لقد كان هذا كفيلا بأن يمسحَ جُزءاً مِن الذنب الذي يؤرّقك، لكنّك لَم تفعل.. ماذا كنتَ ستقول لِمن ستطلُب منهُ توظيفها؟
إن هذه البائسة التافهة خريجة المدارس العمومية تكون ابنة أخي؟ هل تجرؤ على ذلك؟ يمكنك أن تقول مثلا إنّها قريبة بعيدة، ابنة عم غير شقيق لأبيك أو أيّ شيء من هذا القبيل. لكن ماذا لو راحَت تقولُ للناس أنّك تكون عمّها؟ هل تقدّر فداحة المَوقف ها هنا؟ 
بالتأكيد أنت تقدِّره، كعادتك تقدّر كلَّ شيء وتحسب لكل أمر ألف حساب.. إنك أبعد ما تكون عن التعاطف أو التأثر، وكذلك كنتَ في تعاملك مع شقيقك يومَ طرق بابك مستجيرا مِن هموم ألمّت به، فلَم تكلِّف خاطرَك عناء الاستماع إليه وطلَبت مِن الخادمة أن تُخبره أنّك منشغل بأمر هام.
يا رجل ! أيُّ عملٍ هام هذا الذي يُمارسه المرء في بيته ويمنعه عن استقبال شريكه في الرّحم؟ ! كذلك فهم شقيقك أنك تتهرّب، ولم يعد يطرق بابك أبدا.. إنّه لم يفعل حتى عندما مرض ابنه البِكر بذلك المرض الذي يخشى الناس ذكر اسمه، لقد تعاون أهل الحي كلهم من أجل توفير بعض مستلزمات العلاج، لكن العلاج كان باهضاً، وأنت كنتَ بعيداً..
شقيقك الآن وابنه في عداد الموتى، وكل ما بقي مِنه ابنة وحيدة، وزوجة هَرمة مريضة؛ فلا بأس أن تزورَهما أو تُرسل لهُما مَعونة، حتى تنفضَ عنك ذِكريات الماضي الكئيب.
ما أجمل أن تكون لك ابنة أخٍ ميّت تستعرض عليها ثراءك، وما أسوء أن يمنعها حياؤها من تمزيق وريقاتك النقدية بعد أن تبصُق على وجهك القبيح !

رامية نجيمة

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

السيدة والخادمة

رامية نجيمة

 "منذ عشر سنوات وأنتما تخدعانني وتمارسان الرذيلة في بيتي!"
قالت مريم وهي تتحسس بيدها الأريكة خلفها قبل أن تهوي عليها منهارة:
لكنه ردّ مُستفزا، وبسلاطة لسان لم تعهدها فيه من قبل:
- "لا تسمي علاقتنا رذيلة لقد قلت لك نحن متزوجان منذ عشر سنوات"
- "وماذا تسمي زواجك مِن خادمتي، في بيتي، سرا، وأنا أقاسمك الفراش منذ سبعة عشر عاما؟ تتقابل نظراتنا كل يوم وتتقاطع خطواتنا، تطعنني في ظهري كلما أشحت عنك بوجهي، إذا لم تكن هذه رذيلة فما هي الرذيلة إذن؟ ألست أنت الأستاذ المحترم، ومربّي الأجيال، والحاصل على دكتوراه في علوم اللغة، ربما التبست الأمور علي أنا، لكنها يستحيل أن تلتبس عليك وأنت صاحب المنطق والحجة، والأدرى - إذن- بالرذائل وخباياها!"
لم يتحمل الزوج مزيدا من الإهانات في حضور زوجته الثانية، فانفجر قائلا:
- "الرذيلة يا سيدة المجتمع الراقي يا رئيسة جمعية حقوق المرأة، ومؤسسة رابطة النساء الناشطات، أيتها المثقفة المشغولة دائما، الرذيلة هي أن أكون متزوجا منذ أزيد من عشر سنوات، وطيلة هذه الفترة أعود كل يوم من عملي لأجد زوجتي خارج البيت فآكل وحدي وأشاهد التلفزيون وحدي وبعد أن أتعب من الانتظار أنام وحدي، وحين أستيقظ تكونين أنت لا تزالين نائمة من إرهاق السهر فأبدل ثيابي وأفطر وحدي وأقرأ الجرائد وحدي، وأذهب إلى عملي وحين أعود لا أجد غير هذه "الخادمة"، ترعاني وتهتم لأمري تعرف مواعدي وأسباب انشغالي.. إن هذه المرأة الواقفة أمامك الآن، هذه المطأطئة في صمت كما ترينها، هي التي كانت تعد لي طعامي وهي التي كانت تحضر لي قهوتي وهي التي كانت تعرف دائما مكان نظاراتي وحقيبتي، هي التي كانت تلملم الأوراق المبعثرة على مكتبي، وهي التي كانت تعرف مكان ربطة عنقي، وهي التي كانت تستقبل ضيوفي، وحين مرضت كانت تعتني بي...و..
- صه! كفاك استفزازا لمشاعري! ألهذا استبدلتني بالخادمة؟ بسبب ربطة عنقك الضائعة، والقهوة التي لم تكن تجد من يعدها لك؟ أنا التي أعلّم النساء كيف يكنّ عصاميات كيف يعتمدن على أنفسهن ويتحررن من سجن الرجل يستبدلني زوجي بالخادمة لأنه كان يفطر وحده في الصباح؟ حقا ما أحقرك من رجل!
زمّ نجيب شفتيه، ثم تنهد بعمق ونظر إلى الخادمة وهو يقول:
- هيا يا خديجة، لملمي أغراضك، ولنرحل من هنا على الفور
أومأت الخادمة بالإيجاب وذهبت إلى غرفتها تاركة الزوج يضع ثيابه في حقيبة، أما مريم فقد أطلقت ابتسامة حاولت أن تجعلها طبيعية قدر الإمكان وقامت بثقة امرأة مجروحة وهي تقول:
"وإلى أين ستأخذ امرأة بهذا المستوى الضئيل؟ إلى أحد الفنادق الفخمة التي كثيرا ما تناولنا فيها العشاء؟ أم أنك لا تذكر إلا الايام التي كنت تشاهد فيها التلفزيون وحدك؟!"
ودون أن يرفع رأسه أو يتوقف عن جمع أغراضه قال الزوج باستهزاء وكأنه يحاول الإمعان في إهانة مريم:
وما حاجتنا إلى فندق ونحن نمتلك منزلا؟
لم تتمالك الزوجة نفسها، سقطت جالسة على السرير وضعت يدها على فمها كأنها تود أن تكبت صرخة وصاحت في ذهول:
-   تمتلكان منزلا؟
- نعم، لقد كنا نمضي هناك أياما كلما سافرتِ إلى بلد ما، وما أكثر سفرياتك، هل تذكرين؟
لم ترد مريم لقد صعقت فعلا، وهي الآن دائخة إنها غير قادرة على استيعاب الموقف، لعل هذا يكون حلما؟ لعلها تتخيل، أو ربما هي في غيبوبة، زوجها متزوج من خادمتها منذ سبع سنوات، واشترى لهذه الخادمة بيتا ليضمهما معا، لقد كان زوجها خائنا، بل ممعنا في الخيانة، وهي التي ضحت وأفنت عمرها في خدمته ومنحته كل شيء... ما أقسى أن تأتيك الخيانة وأنت منشغلة في تأسيس حياة أجمل لكِ ولأهل بيتك، وما أصعب أن تعلق كل الأخطاء على مشجبك وكل ذنبه أنه ملك لامرأة..
غادر الزوج الغرفة متوجها نحو الباب ولحقته الخادمة، ووقفت مريم تتأمل الخادمة التي لا تصغرها بكثير، لكنها تفوقها رشاقة وأناقة، تضع أكسسوارات مختارة بعناية وفي يدها نظارات شمسية من الطراز الرفيع، ما هذا؟ أيعقل أن تكون هذه هي الخادمة؟ كيف لم تعرها انتباهها من قبل؟ كيف كانت منشغلة إلى الحد الذي أعماها عن حقيقة ما يدور في بيتها؟

صُفِق الباب وبقيت مريم واقفة تتأمل يديها وتتحسّس بهما وجها تبددت ملامحه تحت وطأة خطوط وترهلات، إن خادمتها كانت أكثر اعتناء بنفسها من سيدة البيت. أحست بغصة، لكنها بكت بمرارة حين رأت من زجاج النافذة زوجها يغادر مع السيدة "الخادمة" في السيارة، ولأول مرة في حياتها شعرت بأنها لم تكن سيدة قط، بل طوال الوقت كانت هي الخادمة.

رامية نجيمة

انقر هنا لقراءة النص من مصدره.

لْقَطْعَة

رشيد بلفقيه

يبدأ الصباح حين ينتهي الليل .. مباشرة. يبدأ صامتا من الوريد إلى الوريد، عاديا قاتلا مفرغا، كلوح خشب أتت عليه قبائل أرضات شرهة فتجوّف. هو على العموم يبدأ دوما بهذه الطريقة مند سنوات خلت.
يفتح صفحة يوم جديد .تلتبس الانتظارات الكثيرة يمازجها التوقع المدقع. يفتح عينيه ملء أجفانه على هذا النور المنبجس في جرأة كرغبة مكبوتة من جنبات هذا النهار الجديد ، هذا الزمن الجديد ، هذا العمر الجديد هذا ال…… ويشرع في ممارسة يومه .
في لحظة واحدة تمارسه بروميتية مصيره الأعوج، وتبدو الحياة نسخة ممجوجة مكررة، نسخة لحياة يمارسها أو تمارسه لا فرق، منذ سنوات.
يتقدم النهار ببطء شديد ،خطوط حمراء و برتقالية تدرجات لونية لا حصر لها للأحمر القاني تتراءى أمامه بمجرد أن يطبق جفنيه ، صداع مزعج يعصف بالرأس و يحول كل لحظة زمنية بسيطة إلى ما يشبه الخطوة الشاقة لجسد يحاول الصعود إلى مكان شاهق محملا بأثقال ،كل لحظة تمر هي مأزق مرير يدفع بالأعصاب المتشنجة سلفا إلى مزيد من التوتر و التوتر ..
يخبو كل شيء فجأة كما اندلع فجأة ،يستمر الهدوء للحظات لكن تعبره فكرة أو خاطرة بسيطة فيعود الذهن ليغلي كمرجل موشك على الانفجار ينقلب كل شيء عقبا على رأسه ، تزداد الأعصاب توترا يعود الصداع و الطنين للرأس الغارقة في ضجيج داخلي و تنفتح دوامة الأحمر القاني من جديد ليزيغ البصر .
قد كان وكان الأمل ،و لسنوات ظل الانفلات قانونه في العيشٍ .كان يجيد معانقة الحياة مرددا أيها الربيع الدامي أيها العمر القادم من هنا من هنا كي تنفجر الأرض في الآفاق ورودا و سواقي ،لكن بعد أن نزف عرقا و سنوات عجاف توالت كأنها أسراب غيم بلا مطر، بدأ يفهم حين المأدبة أنه ينتمي لطبقة الأيتام و انه لا يملك من هذا العالم سوى أحلام وغبار متفلت.
بدل لبلاصة
يتقدم النهار برتابة، شمس الظهيرة بدأت تلجئ الجميع الى بيوتهم، طلبا لظل ظليل. وحده تقريبا يتسكع بين منازل حي القدس المشتعلة، والتي يزيد تكدسها كيفما اتفق قرب بعضها بلا مساحات من إيحاءات الاختناق و الضيق و النفور.
تمشّى جيئة و ذهابا بالقرب من مقهى لباطو لخاسر التي تتوج شارع لقواس، لا أحد ممن يعرفهم هناك، طاولة البلياردو الجامد مستسلمة في صمت للجمود. فقط النادلة الشبه نائمة تطرد الذباب عن وجهها بحركة كسولة لا إرادية لوح لها تظاهرت بعدم رؤيته تمتم بغيظ سبابا بذيئا تطايرت تفاصيله في الفضاء ،ثم عبر الشارع ، الرأس تطن طنينا لا شيء يستفز الاهتمام، أقعى القرفصاء قرب بائع الزريعة للحظات قبل أن يحرك رجلاه في اتجاه مدرسة الأمل ، من بعيد لاحت له المساحة الخضراء الممتدة بين الشارعين و هي تصطلي بِحرّ الشمس فقط النباتات الشاحبة تقف متحدية ثابتة في مكانها . توقف قليلا و رجع ليدور حول المحل .
رمقه البائع بنظرة شزرة، فابتسم ابتسامة عريضة و سأله
*ما بانش شي واحد في الدراري !
 
………….*
*
مية في المية مشاو لشي بلاصة !
 
………*
استدار البائع و دلف إلى داخل المحل أو لعله جلس فلم يعد يبدو منه شيء.
*
بلعزوة لاخر كبر ليك الشان .
لم يكن للمصير أن يحدد التفاصيل، كان دائما يحدد الخطوط العريضة ويتموقف في اقرب تقاطع متربصا مراقبا في صمت و ترصد، و نهاراته التي تمناها خالفته الرأي وتموقفت مع المصير تنتظر و كأنه يملك من أنماط التعاسة أكثر من اختيار.
.مرجل الشمس يزداد حرارة شيئا فشيئا، و الرغبة في سيجارة قد وصلت حد لقطعة ، فكر في التسكع مرة أخرى لكن الوجهة كانت منعدمة.
في عمره كان ينبغي ان يكون له ابنا في المدرسة، هذا ما سمعه مرارا من العديد من الافواه تلك المدرسة التي قذفته للشارع بُعَيْد ثلاث أو بالكاد سنوات قضاها في ما يشبه المسلخة ..
*
علاش كنمشيو للمدرسة ..
*
باش تقرا يا راس لكيدار و تتعلم .
*
و لكن أنت كاع ما قاري ألواليد ، و . فرقعة الخمسة أصابع على القفا المتورمة أخرسته معيدة الأمور إلى نصابها و البقية جاءت كما اتفق .
انطلق بعد ذلك مصادرا حق الأرزاء في تثبيط مساعيه، مؤجلا موعده مع الحياة لعمر ثان ،سرق من الآلهة نارها وصنع بنفسه ظلام نفسه لست أهاب الرحلة بعد ، فحيثما طريق سأشهر خطواتي.
لكن الطرق تتابعت و الخطوات الراكضة في البداية تناقصت سرعتها شيئا فشيئا حتى توقفت و كان الرماد أغلى ما استطاع ادخاره.
فتفرغ للحياة يذكيها كلما خبت 
رقصا 
فوضى ، تمردا 
و أغاني..
لمونتيف
*بنادم هو اللي يضبر على راسو !
مشى ثم عاد للقرفصة ، الدائرة المفرغة تزداد ضيقا: مال والدين مو هاد النهار؟ ، من بعيد يلمح نافذة سيارة ركنها صاحبها للتو أمام حانوت، و يبدو أنه ترك نافذتها شبه مفتوحة تأملها مرارا ،لعن الشيطان و غض بصره في البداية، لكن الشيطان أفحمه بان الشيطان الحقيقي هو بنادم .
فرقعة الكف العريقة ذات الأصابع الخمسة على القفا و السباب النابي ثم فكرة حتى أنت ألعزوة كبر ليك الشان . تدفعانه مرة واحدة إلى الوقوف و المشي بحذر، يتقدم نحو النافذة الشبه مفتوحة يلمح شيئا ما قرب المقود. نحو الهمزة يمد يده بقبضة مغلقة كأن الأصابع ترفض الاستجابة في البداية ثم تطاوعه و تمتد .تُحكم اليد قبضتها بآلية على الغنيمة يستدير ممنيا النفس بإطلاق ساقيه المنهكتين للريح لكن.. لكمة قوية تعيده إلى الأرض. 
*
أحصلتي ا بلشفار لاخر

من حيث لا يدري يرتفع صوت أو صوتين ، عطي لحمار بوه عطيه من أين خرج هؤلاء الناس ؟ فين كانوا ؟ يحاول التكور ليحتمي من الركلات المنهالة عليه ،صوت متحسر -ربما- لم يميزه في مهرجان الرفس الذي أقيم على شرفه ..
*
مشا فيها ولد الكبيرة .. هاديك را طوموبيل ديال بوليس .
رشيد بلفقيه  

الأحد، 30 نوفمبر 2014

أهلا و سهلا في عالم الأموات



رامية نجيمة



رغم الظلام حضرت عائشةُ و زوجها لتوديع وحيدِهما قبل انطلاق حافلته المُتوجهة نحو مراكش، كان الشابُ البالغ من العمر ثمانية عشر ربيعا مُقبلا على عهد الدراسة الجامعية، و قد تمكنت عائلته البسيطة أخيرا من العثور على وسيط وَعَدهم بأن يحُلّ لهم مشكلة السكن الجامعي مُقابل مبلغ كدحت الأسرة في جَمعه، فعاشت صيفا جافا لم تكتف الأسرة فيه بصيام رمضان فقط. و هذا أمر ضروري الولدُ النبيه سيذهب إلى مراكش الساحرة ليدرُس في الجامعة و ستفخر العائلة بابنها المُتعلم "فلا يهُّم أن نجوع نحن الآن...المُهم أن يشبع ابني و يتعلم" يقول الأب بنبرة بئيسة.
جاءت لحظة الوداع صرَخ السائق عدّة مراتٍ في الأُم لكي تنزل من الحافلة و لكن هذه الأخيرة احتضنت ابنها في مشهدٍ دمعت له عينا الأب و لكنه تمالك نفسه مُؤديا دور البطلِ الشجاع:" و باراكا من البكا راه مسافر غي فالمغرب ماشي الخارج".
نزلت الأم من الحافلة و هي تُكرر على ابنها ضرورة الاتصال بها بمجرد الوصول، فانطلقت "أهلا و سهلا" تاركة وراءها  دموعا  حارة...و لكن مهلاً فليست هذه إلا بِداية العَبرات.....
كانت عبارة "أهلا و سهلا"  المكتوبة على جانب الحافلة تجتذب ركابها، لكن أحداً منهم لم يخطر بباله أنه ذاهب في رحلة الموت، وما تصور أحدهم أن الدار الآخرة ترحب به و تفتح له أبوابها قائلة بالخط العريض "أهلا و سهلا"، و ما كان أحد من المسافرين يتصور أنها رحلة ألا رجوع .......
أغمض الإبن عينيه على غِرار أغلب الرُكاب، لقد كان ذاك النائِمُ يحلم أن يَفتح عينيه و قد أشرقت عليه شمس النهار في المدينة الحمراء، و لم يتصور أبدا أنه سيفتح عينيه أوّل ما يفتحها على صورة ملك الموت و قد جاء يلتقِطُ روحه و يتركه جثة مُبعثرة تُلّفُ فيما بعد في كيسٍ بلاستيكي أسودَ تماما كذاك الذي يلُفّ القُمامة ! و لكنه لم يكن لوحده فقد كان معه أكثر من أربعين قتيلا مُدّدوا كلّهم على جانب الطريق في مشهد مُروّع من مَذبحة لا ينساها إلا عديم الإحساس أو ميت الضمير. أما عائشة و غيرها من المكلومين و المكلومات فالمرجو أن تعذروني لأنّ كل قواميس اللغة لم تسعفني في وصف حالهم فارتأيت الصمت على البوح بما لا يَصِفُ و لا يشِف
ما أقسى أن تموت قتيلا بلا سبب و لا ذنب !  و ما أفجع أن تموت من أجل لا شيء !  أه ما أوجع أن تدفع حياتك ثمن العدم و الاستهتار و العشوائية !
لا.... أنتَ لستَ رخيصا و دِماؤك لم تذهب سُدى، لقد أيقظتنا من نُعاس كاد يُفضي بنا إلى سُبات عميق، رحمك الله و رزق أهلك الصبر و السلوان.
 أما أنا فما تمنيت في يومٍ من الأيام العودة إلى حياة البدو و السفر في قافلة كما حدث معي اليوم و قد تقطّعت بي الأوصال من هَولِ ما رأت عيناي، فلم يعد أمامي إلا أن أكتري بغلة أو أن أضل في مكاني لبقية أيامي !


رامية نجيمة

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

مسعود البدوي

العياشي ثابت
كانت غضبة أبيه ريحا صرصرا عاتية، طوحت به صوب المدينة، فتاه بين صفوف المتسكعين والمتسكعات، زمنا يسيرا يقتات على الفتات، قبل أن يصبح نادلا بأحد المطاعم، ويتعلم الطبخ على يد طهاة مهرة، فيتحول بعدها عاملا بأحد أفخم الفنادق في مدينة سياحية.

بعد خمس سنوات، عاد "مسعود البدوي" الى قرية أبيه متوددا طالبا صفح والده ورضاه. انبهر الجميع بسيارة مسعود، فانهالت عليه التحايا من كل جانب، وارتمى على رأس والده يقبله، فزالت غشاوة الغضب القديم، وملأت زغرودة الفرح آفاق البلدة الغائرة وسط جبال الأطلس الشاهقة، واجتمع الناس حول موائد مسعود بعد أن ذبح كبشين أقرنين بالمناسبة.

توالت أسئلة الحاضرين، فكان عليه إشباع فضولهم، وتغذية عجزهم عن استيعاب ذلك التحول الكبير في مظهر مسعود... كان استفسارهم عن طبيعة عمله في مقدمة التساؤلات، وكان استغرابهم شديدا عندما أكد لهم اشتغاله بفندق بالمدينة. انفجر "محند مهيريز" ضاحكا يطرد وجوما ساد الخيمة المنصوبة، ثم قال بسخريته المعهودة: "أنا لا أعرف بالمدينة إلا فنادق الحمير، كنت أقصدها صغيرا رفقة والدي، نترك بها حمارتنا الشهباء، ونعود لأخذها  بعد قضاء مآربنا...فهل يكون بمقدور عامل بفنادق الحمير أن يشتري سيارة كالتي نرى؟ ". ضحك الآخرون مندهشين وآذانهم تتحسس رد مسعود إذ أجاب: هذا أنت يا "مهيريز"، لم يتغير حالك منذ الأزل، فقد حجبت عنك الجبال تبدل الأحوال...إن بالمدينة فنادق للبشر، تقاس جودتها بالنجوم، وتتزايد أثمنتها حسب الخدمات والرغبات...

لقد تجاوزك الزمن يا مهيريز، واتسعت الهوة بين ماضيك الغائر في أعماق التجاهل، وبين حاضر مبهر، جعل قضاء ليلة واحدة في فندق من الفنادق الفخمة يكلف الزائر مايكفي لإطعام القبيلة بأسرها.

تاهت نظراتهم في عيون بعضهم بعضا، ولولا أن عهدوا صدق مسعود، لقالوا عنه  (أفاك أثيم...)

استطرد مسعود قائلا: أتدري يا مهيريز أن الحمير التي تتحدث عنها بتحقير وازدراء، قد أصبحت تشارك في المهرجانات ، وتتوج في مسابقات أسرع حمار، ومسابقات ملكة جمال الأتان، بل إنها دخلت عالم السياسة، فأصبحت تشارك في المظاهرات والمسيرات، جنبا إلى جنب مع الساسة المحنكين، وتحمل على ظهرها شعارات تندد بالفساد والجور المبين!؟ حتى إن أحد الظرفاء قال معلقا: "إن قادة المسيرات لا يتوفرون على قواعد، لذلك ارتأوا أن يكملوا المسيرات بالحمير!!!"

صمت الناس وقد شغلوا أفواههم بلوك الطعام، بينما كان مهيريز يسعل طالبا بيديه  كوب ماء يساعده على بلع لقمة علقت ببلعومه، فاتخذ الحاضرون من ورطته مهربا من حديث يستصغر ذواتاُ تراجعت خلف الحمير، إن لم تكن أقل أو أضل...
العياشي ثابت
انقر هنا لقراءة النص من مصدره.

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2014

حادثة ..عُمر/ قصة قصيرة


رشيد بلفقيه
مشى كثيرا ، دون اتجاهات محددة تقريبا او باتجاه أشياء كان يظنها هناك ، لكنها كانت سرابا كلما اقترب منه و مد أصابعه ليلمسه و يقبض عليه كان يتبدد من أمامه و يتطاير ساخرا إلى أبعد مما قد  تحمله انفاسه المتقطعة . مشى كثيرا أكثر مما تتحمل جل نعاله في طرق متشعبة ، ضيقة ، فارغة ، معقدة، راقية ، وضيعة ، مجنونة في أحايين كثيرة و  بشعة ، متناقضة جدا في أحايين أخرى .قاسم مشترك وحيد بين كل تلك الاسفار  انه كان غالبا يمشي بالموازاة مع ذاته.استسلم للتثاؤب مرة أخرى ،مد يديه محاولا طرد الضباب المنتشر أمامه. مط شفتيه ضرب أخماسا في أسداس وهو مقرفص في مساحة خطوة ضيقة تفصله عن إسفلت طريق . جديد برد مبرح، برد يستلقي في شقوق الكلمات ،يحث الفراغ العابر على التحول إلى شتاء دائم، دوّن  بالبخار الخارج مع أنفاسه ..على شفير الحدودنقطنأيتها "الفصيلة" بين البين كما لم تجف مرةيوميات الفقراءو التأمل عقيدةمن لا خيال لهمفي مسيرة البحث عن اثبات أوهام معينة كان يراها في زمن سابق آمال عالية لكنها تحولت مع تقلص المسافات و انقشاع أغبرة الطرق إلى مجرد عبئ يزيد من وعتاء السفر .ها هنا ،خطوة معقولة أو مجنونة ..هي ربما كل ما بقي متاح له ليتقدم أو ليتراجع فيلصق ظهره بالجدار كما لم يفعل يوما .صار الزمن خريفا على ما يَروِي حفيف الرياح .. لن يظهر أحد في الأرجاء المستسلمة للسكون على الأرجح في هذا الجزء المتأخر من هذه  الليلة، ربما استسلم الجميع لوسادة و سرير أو لجسد أكمل بنفس النفس اللاهث بخارا :  في سماء...أعلق كالقمر كرغبةبين الشفتين أو .. ربما أهويإلى أرض بلا قرارببرود او ربما ببلادة ، ظل في مكانه يحدق في الفراغ لم يكن ثمة شيء ليُرى لكنه ظل يحدق في إصرار . الفراغ و أمام إصرار عينيه بدأ يتحول إلى أشكال  بلا معنى تصوغها مخيلته فقط  ،ثم إلى متشابكات خالية فمتاهات من السراب. كان فراغا مجرد فراغ في الفراغ .تطلع إلى نهاية الطريق بشبه تبرم وعاد لتأمل بدايته في بضعة من الحسرة،هرش أجمة التوقعات التي غزت تفكيره بيده في حركة بليدة. انتبه للمرة الأولى ودفعة واحدة أنه قد ضاع تقريبا في المنتصف.طوى الليلة في صمت و صبر كما يفعل دائما في نهاية كل اكتشاف بائس ومع إطلالة يوم جديد، تطلع إلى الخارج عبر البوابة المفتوحة عن آخرها على الزمن المقبل . لاحظ أن الجو قد ازداد عتمة أو ربما هكذا اوحت له كمية الغيوم المعسكرة و التي ضيقت كثيرا حدود الرؤية. لا امل يرجى من كثرة التحديق بعيدا، بعيدا .. ارتد اليه بصره حسيرا تطلع حوله أقسى ما استطاع تبينه تفاصيل نفس الصورة  لنفس المناظر المألوفة منذ عقود ، نفس  البرودة التي  لم تغادر تجاعيد الشروق بالمرة، نفس الملامح نفس البشر، تحايا من هنا و ابتسامة من هناك، ترادف نفس العبارات المبالغة في السطحية .لكل يوم ظل يعيّن صباحا و لهذا اليوم بالذات رصد توصيف صباح الأوبئة و الويلات الدائمة ، صباح النوايا المريضة و الدقائق الجامدة كان لما قبل أمس، و للغد قد يطور إلى صباح الاستسلام و التجوف و الفراغ من المحتوى . أغلق أبوابه و انهمك في إغلاق النوافذ ... ثم استسلم شيئا فشيئا للنوم.مرت عهود قبل أن يفكر مرة أخرى في المغادرة إلى الخارج ليطالع  زرقة السماء، ليتنفس قليلا هواء لا يعرفه أو ليسمع صوتا لم تألفه أذناه ،كان الوقت بالكاد يقترب من منتصف الانتظار، ربما  ظهرا بما أن  الشمس كانت  تزين كبد السماء ، لكن نفس البرودة كانت لا تزال معمّرة هنا و هناك و هنالك و في كل مكان عاينها لمدة تدافع بشراسة و بكل السبل و تتشبث بتلابيب الفصل اللقيط الذي بدوره يجاهد لانتزاع اسم من سنة فصلت على أربع لكن الحكمة اقتضت أن يعاد ترتيبها إلى خمس أو ست حسب طلبات المرحلة ، عاوده نفس الإحباط القديم  فهذا أيضا مجرد يوم جديد لكل ما يلمع فقط وليس فضة. يوم آخر للتناوب الحاقد على رحم الأرض . هرش رأسه بنفس الحركة البليدة وأغلق أُفقه و بيته و زرّر قناعاته و بمقابلة النافذة الوحيدة المطلة على الأمل ، استسلم  للنوم مرة أخرى لسنوات ممنيا النفس بأن يأتي ذات غد بخبر مختلف .عافه النوم و خاصمت جفونه الرغبة في الانقباض قاوم لأيام بالصمت و الصبر لكن بلا جدوى ،في النهاية و خارج كل زمن قرر أن يصحو مرددا دون أن يغادر مهد القهر :تحية للفصيلة لا للأرض لا للسماء لا للورق لا للماء .. لا للبشر بعد اليوم لا عمتم صباحا منذ هذا الصباح ، لا عمتم و لا طبتم حتى يشع بدونكم هذا الأفق..أُغْلِق باب بيته  ويروى في ما لم يثبت بالدليل أنه  مات ضحية "عُمْر"..

انقر هنا لقراءة النص من مصدره.

السبت، 8 نوفمبر 2014

الصلاةُ بعيداً..


رامية نجيمة
"لابد أنّها ضيفَةٌ عند أحد الجيران" همَست إحدى المُصلِّيات في الليلة الأولى مِن الشهر الفضيل. "أو أنّها عابرةُ سبيل، مرّت بالسيّارة مع زوج أو قريب.." قالت أخرى، ثمَّ سُرعان ما تمَّ تداول هذه الافتراضات بين باقي المُصليات قبل أن يعلن الإمام بَدء صلاة التراويح..
لقد كانت هذه أول مَرة تقع أعينُهنَّ عليها؛ فهي لم تُصلِّ معهن في هذا المسجد مِن قبل، إنها ليسَت مِن هذا الحي ولا من أيٍّ من الأحياء المجاورة. وكلُّ المصليات على كثرتهن في ذلك اليوم كُنَّ إما جارات أو صديقات أو زميلات دِراسة.. ذلك أنَّ المَسجد الذي يضمهُنّ يقَع في دُوّار سكنيّ صغير؛ فلا غرابة أن يتعارف كلُ مَن فيه.
انهمَكت مُنى في صلاة خاشعة أذرفت خلالها الكثير من الدموع، وانتفضت فيها مع كل آية قُرِأت، ومع كلِّ تكبيرة صدَحت بها الأصوات في جنح الليل.. كانت تخنقها العبرات خلال السجود، فتشهق بصوت يمزّق الصمت المخيِّم في هذا المكان حيث لا بشرَ غيرها يعرف بأمر خطيئتها، لكنها كانت مؤمنة _مع ذلك_ أنّ الصلاة تستطيع أن تُطهِّر روحَها، وتُصيّرها خفيفة كريشة.. غمَرها إحساسٌ بأنها امرأة كاملة، لأنَّها في حَضرةِ إله يراها مِن الداخل حيث قلبها النادم الخاشع؛ فكانت صلاتها بأثر السحر، ورغم أن السحر يشغل المرء عن التفكير في كل ما عداه، إلا أن هذا السحر الذي تعيشه منى الآن قادها إلى التفكير في سؤال جوهريّ: "ترى أين سأُصلي غدا؟".
أيُعقل أن تعود إلى نفس هذا المسجد حيث تتفرّسها العيون؟ أم أنّه من المقبول أن تقضي تسعاً وعشرين ليلة كاملة في التسَكُّع مِن مسجد إلى آخر؟!
لو أنّ سكان الحيّ الذي تقطُن فيه تركوها وشأنها، وتناسوا حقيقتها القبيحة لثلاثين يوما فقط، لما اضطرّت إلى الذهاب للصلاة في مسجد بعيد.
انتهت الصلاة، وسلَّم الإمام وما إن شرع في تلاوة الدعاء حتى هبّت منى متسلِّلة إلى الخارج، قبل أن يلاحقها جمهورٌ من المصليات المُحقِّقات اللواتي لابدّ أنهنّ قد جهزن لائحة مِن الأسئلة الحامِضة: من أنتِ؟ ومن أين جئتِ؟ ولماذا جئت للصلاة هنا؟ وماذا تشتَغلين..؟ وهذا السؤال الأخير هو أكثر ما كان يقلق منى.. كان يمكن أن تتحمل كلَّ شيء إلا السؤال عن مهنتها.. لذلك أسرعت نحو سيارتها لتقودها وسط طرقات عامرة بالسيارات والسابلة، وزاخرة بمساجدٍ تزدحم أبوابها بالمصلين والمصليات.. كان كلُّ شيء في المدينة يدلُّ على أن الناس بألف خير.. ومنى نفسها كانت سعيدة لأنها دخلت بيت الله وتضرَّعت هناك دون أن يمسَسها أحد بسوء.. لقد كانت فخورة جدا بإنجازها العظيم هذا، ومازال ذلك الشعور بالخِفَّة والطهارة يُرافقها حتى ركَنت سيارتها بالقُرب من باب العمارة التي تقطُنها، حينئذ بدأت تلكَ الطمأنينة الربانيّة الساحرة تتلاشى شيئا فشيئا..
خفَضت مُنى - والتي لا يزال أهل الحيّ يعرفونها باسمها الأصليّ: "ميمونة"- رأسها، وسرّعَت خَطوها، وأسدَلت حجابها على الجزء الأعظم من وجهِها، وكأنها بذلك تحميه من سياط النظرات.. صعدت إلى شقتها، فتلقّفتها نافذَة مفتوحةٌ أشبه بلَوحةٍ لسماءٍ دُخانية تخفي النجوم، وتبرِز سحبا رمادية مُتباعدة.. اقتربت منى منها ورفعَت نحو السماء عيوناً تائِهة.. هي لَم تكن بحاجة إلى مزيد مِن الدُّعاء المغموس بالمُتمنيات بعدَ ما بثَّته من أمانيَ أثناء الصلاة، إنها الآن لا تحتاج إلا جوابا عن السُؤال الوحيد الذي لا يزال يُحيِّرها: أينَ ستُصلّي يوم غد؟
رامية نجيمة
انقر هنا لقراءة النص من مصدره.

السبت، 1 نوفمبر 2014

القاتِلة


مجلة الكلمة   العدد 91 نوفمبر 2014   قص / سرد  رامية نجـيمة

15 أكتوبر/تشرين الأول 1973

اليوم تنبَّهتُ إلى أنّني أصبحتُ أتمنى اختفاءهُ مِن حياتي؛ وَليتمَّ ذلك تحت أية ذريعة: سفر، رحيل.. أيّ شيء إلا الموت؛ فإنه ليس من أمنياتي، إذ يستحيل أن أتمنى انقطاع الأنفاس عن أحدهم وأنا التي أقدِّس الحياة ولا أتمنى زوالها حتى لأعدائي.. إنّي أتألَّم مَع كلِّ زهرة تذبُل، والنَبتة في حديقتي أسقيها وأرعاها وأتوجَّع إن داستها قدَم.. حتى الحشرات التي تتأفّف مِنها بناتُ جنسي أتأفّف أنا مِن قتلها.. إنه ليسَ ذنب الصرصور إن كان مُقزّزا، ولا جريمةَ البعوضة إن كانت حياتُها رهينةً بِبُلالة دمٍ في عروقنا.

22 يناير/كانون الثاني 1974

الحياة هِبة مُقدَّسة، لا يمنحها البَشر ولا يحقُّ لهم _إذن_ أن يسلُبوها. وأنا لم أكن أتصوّر في يوم مِن الأيام أني أستطيع أن أتخيّل _مجرّد تخيُّل_ في أني قد أكون أسعدَ لو أنَّ الحياة تُنتزع مِن أحدِهم نزعاً.. لكنَّ هذا الذي صرتُ أفكر في موته وأتمناهُ ليسَ أيّ أحد، إنه أقربُ الناس إليَّ، والرجلُ الوحيد في حياتي، وهو في آن الوقت المُسمِّم الوحيد لحياتي..

06 مايو/أيار 1974

في البَدءِ كان تفكيراً وحَسب، أيستطيعُ أحد أن يُدين التفكير؟

أيُعقل أني أذنبتُ إذ فكّرتُ بأنَّ حياتي أنا ستكون أفضل لو تمكّنتُ مِن إنهاء حياته هو؟ هل أصبحت بذلك إنسانة شريرة؟
كلا، إنه ليسَ مِن الشرّ في شيء أن يُحاول الإنسان الدفاع عن حياته وأحلامِه، وهذا الرجل سرقَ أحلامي كلّها، إنّه يخنقني منذ سنوات، لا يتركني أعيش، و لا يتركني أرحَل، ولا يَرحل هو لأرتاح.. لقد أضاعَ مِن عمري أجمل السنوات، وها هو الآن يُضيع ما تبقى .. آه، كلَّما فكَّرتُ بأنّ اكتمالَ سعادتي رهين باختفاءه من الوجود، أتمنى لو أنّي أستيقظ ذات صباح فلا أراه!
12 يوليوز/تمّوز 1974

لقد اتخذتُ قراري .. سأقتُله.. سأسلُبه حياتَه البئيسة.. حياتُه ليسَت ذات قيمة، إنَّه إنسان تعِس، يعيش ليُعذِّب ويتعذَّب. لا شيءَ يُمتِعه، لا شيء يُسعده، لا شيء يُعجبه.. يحبِس نَفسه بين جدران هذا البيت ويحبِسني معه. يصرخ في وجهي لو حطَّت على وجهِه ذبابة، ويمدُّ يدَه عليّ عِوضَ أن يمُدّها لي..

إنّه فارِغٌ ومخيف كفزّاعة، لا أحدَ يُحبه، ولا أحد يُطيق صُحبته.. هو يعرف هذا جيدا، يعرف أنَّه ليس هناك مَن يتحملّه سواي، وأنّ الموتَ سيكون مآله إن هجرته، لذلك لا يفُكُّ وثاقي.. يُراقبني بعينيه الضيّقتين طوال اليوم، ويعلّق على كلّ خَطواتي..  إنّي أنا أكون لعبتُه التي إن ارتاحَ لها فكّكها، وإن سئِم منها كسّرها.. أن أقتلَه أو أن أنتظِر موته سِيان، في الحالتين لا أتمنى أن يطولَ عمرُه، وتمني الموتَ لأحدِهم جريمة كقتلِه.. وإني متأكدة أنَّ الله سيسامحني على جريمتي، ولئن التقيتُ بمقتولي هناك سيسامحني أيضا، لأنّه فقط في حياته الأخرى سيدرك كَم عذبني وآلمني وسقاني مِن العذاب مُرّ الكؤوس.. سيدرِكُ أنّي لَم أمتلك الخيار.. ولرُبَّ موتٍ يحيقُ به الآن ويحمله إلى الآخرة مَظلوما خيرٌ مِن حياة يحصُد فيها المزيد من الذنوب والذنوب..
استجمعتُ همَّتي أخيرا.. وأما طريقةُ قتله فإنها أمرٌ هيّن.. إنّه رجل كهل، أقربُ إلى الشيخوخة، صِحته ليسَت في غاية المتانة، ثمّ إنّي أنا التي تطبخ طعامه، وتنظّف ثيابه، وأنا المسؤولة عَن كلِّ أشيائه.. حسبيَ أن أترَك النوافذ كلَّها مفتوحة في حَضرته حتى يصيبه داءُ الرئة، أو أُهمِل في نظافة ما يأكل حتى تتفجّر أمعاؤه، أو أُكثِر له مِن المُملّحات والمَقلِيات، وأُتخِمه بالمثلجات والحلويات، حتى أرفَع ضَغطه وسُكّره، أما إذا فعلت به كلَّ هذا دفعة واحدة لأبكين في جنازته أسرع مما أتصوّر، ولتكونن هذه بحقّ أوّل جريمة كاملة!
1 غشت/آب 1974

قبل آذان الظهر بقليل، أنا في الداخل، قُبالة الباب الخارجي، وهو ملفوف في غطاء فوقَ نعشٍ يتعاون على حملِه ستةُ رجال.. في الخارج جوقةٌ كبيرة من الناس احتشدوا حولَ بابِنا في صفَّين؛ واحد للرجال وآخر للنساء.. أراهُم كلُّهم يبكون.. يشهقون.. عيونُهم مُحمرّة.. أنوفُهم مُختنقة.. يرتعشون من هول المشهد. مشى الرجال بالنّعش وأنا أتتبعه بناظري حتى قطع الطرقة الطويلة والتفَّ نحو اليسار، أما سيلُ البَشر المُتدفّق الذي يتبعُه مازال ينثال من كل الجهات.. أيُّ مسجدٍ سيحمِل كلَّ هؤلاء؟ ومن أين جاؤوا؟ بينهم وجوهٌ لا أعرِفها، ووجوه وجدتُ صعوبة في تذكرها.. لا أذكُر الآن إلا أنَّ أصواتا تناهت إلى سمعي  وهي تردِّد عبارات مِن قبيل :

"كان رجلا طيبا"
 "كانت الابتسامة لا تُفارق وجهه"
 "لم يفوّت صلاةً في الجامع"
 "كان يحبُّ الجميعَ والجميعُ يحبّه"...
8 غشت/ آب 1974

أعترفُ أنّني لستُ سعيدة ولا أتوقّف عَن البُكاء .. تُطارِدني صورتُه وتترصّدني الذكريات.. هذا هو الباب الذي كانَ يدخل مِنه واقفا ومُحمَّلا بالمُشتريات وهو ذاتُه الباب الذي خرجَ مِنه محمولا في نعش.. وهذا هو الكُرسي الذي كان يجلس عليه ليتلو مُصحفه ورائحة المسكِ تفوحُ مِنه، وهو نفسُهُ الكرسيّ الذي كان جالساً عليه قبل أن نجِدهُ ذاتَ ليلة مُلقى على الأرضِ مُزرقَّ اللون تفوحُ منه رائِحةُ النتَن.. أقاربي الذينَ استنجدتُ بهِم لمّا رأيتُه جُثة أجمعوا على أنّهُ توفِي في الصباح الباكر وسألوني كلُّهم بلسانٍ واحد:

كيف لم تكتشفي أنّهُ مات إلا بعدَ مُضيّ ساعات على ذلك؟!
كيف لَم تُلاحظي غيابَه وأنتِ وحدَك تقيمين معه؟! كيف لم تتفقّديه؟!
بُهِتُّ أنا؛ فلم أجد بأسئلتهم جواباً يليقُ أن يُقال.. أأقولُ لهم إني لا أكلّمه منذ شهور؟!
أأقول لهم إني أتعمَّد الاختفاء عَن عينيه حتى لا يُغرقني بطلباته كطفلٍ صغير؟!
أأُخبِرهم أني ضَجرتُ منه حتى فكّرتُ في قتلِه؟!
لكن أنا لَم أقتله.. لَم أجعل البيتَ منفذَ تياراتٍ هوائية، ولَم أحرِص على إطعامه المَقليات، ولا أكثرتُ المِلح ولا السكّر في طعامه.. اهتمامي بنظافة البيت بَقي كمَا كان.. أنا لَم أقتله! قرّرتُ ذلك، نعم، لكني لم أقتله! أنا فقط كرهته؛ ثم أهملته وتجاهلته.. اعتبرتُه ميتا بالِفعل فَمات.. فهل يقتُل التجاهل أو الكُره والإهمال؟
أني الآن في أشدّ لحظات حزني وألَمي وأشدّ ما يوجعني ويقضُّ مضجعي هو هذا السؤال اللّعين!  تُرى كَيفَ ماتَ أبي؟!

انقر هنا لقراءة النص من مصدره.

الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

مجرد محاولة





خطر لها أن تفاجئ زوجها هذه الليلة بعشاء رومانسي، كالذي أعدته بطلة مسلسلها التركي المفضل لحبيبها، طهت العشاء واتجهت للصالة قصد إعداد المائدة، وضعت مزهرية ملونة مليئة بأزهار بلاستيكية قرب شمعة بيضاء، تحتفظ بها في الدولاب الخشبي إن حصل عطب كهربائي. عادت للخلف من أجل تفحص مائدتها الرومانسية، فتسرب إليها إحباط من المنظر الذي حصلت عليه، ارتأت أن تتجاوزه بتحضير نفسها.
ذهبت إلى غرفة النوم وشرعت في طلاء وجهها بمواد ومساحيق لا تستعملها إلا في الأفراح التي تدعى إليها نادرا، سرحت شعرها المموج وقامت للدولاب من أجل انتقاء فستان مناسب للسهرة، على أية حال فهي لا تتوفر إلا على فستان واحد أهدته لها جارتها اليهودية عندما كانت تنوي الرحيل، أخرجته بحذر ثم بسرعة ارتدته، وقبل أن يلمس خصرها سمعت طرطقات، أزالته بسرعة لتتفاجأ بفتق في الثوب على مستوى الكتف نتيجة وزنها الزائد، فالفستان لم يعد يتسع لتضاريس جسمها. لم تعرف ماذا تفعل، جلست فوق الأرض وهي تمسك به مصدومة و عينيها تلمع حزنا على فستانها الجميل.

لعنت جسدها المنتفخ، و حياتها المتمحورة حول المطبخ وغرفة النوم، لعنت زوجها الشحيح الذي يرفض أن يدخلها صالة الرياضة. رمت الفستان تحت السرير، ثم وضعت خرقة على شعرها مرتدية قميصا كان مرميا على الأرض وذهبت للصالة لتزيل شمعتها ومزهريتها البشعة من فوق المائدة، مكتفية بشرف المحاولة.. 

صفاء فرادي